تنوح بين السطور .. وتنزف الجروح .. كلما أمسكت برسائلها .. وأخرجتها من ذلك الصندوق العتيق .. الذي تخفيه في دولابها .. وتقفل عليه جيدا .. لقد رحلت تلك الذكريات .. وآه من تلك الذكريات .. مازالت تعشش في الفؤاد .. وتمطر حنينا كل ما أمسكت بهذه الأوراق .. المكتوبة بنزف القلوب .. وروح الفؤاد .. فتحت ذلك الصندوق ووقعت عيناها على تلك الصورة الموجودة في فوهته إنها صورتهما معا .. عندما كانا في تلك الدولة التي خطفته من أمامها .. هناك مازال يقبع بجسده الجريح .. .. مازال هناك رغم كل تلك الشهور والأيام .. رحل وتركها تصارع الحنين والشوق والآهات .. مازالت تردد : ليتنا لم نذهب .. إنه القدر أعلم بذلك .. كان ملزما على سفرنا في هذا الوقت .. ترددت كثيرا في الذهاب .. أخبرته إنني مجهدة .. تعبه .. ولكنه قال : تغير الجو هناك سيساعدك كثيرا .. ولا يعلم إنه سيزيد جروحي .. ويطعن فؤادي .. ويجعل مني عائشة في عداد المفقودين .. سامحني يا إلهي .. سامحني يا رب .. لابد أن أرضى بأن ذلك القدر منك .. ولا أتذمر .. ولكن نيران قلبي تجعلني أنوح وأسطر حروف قاتلة على جميع صفحات حياتي .. تجعل مني فاقدة الحياة .. بعد أن رحل ..
أخذت عيونها تمطرا ألما .. فتركت الصندوق جانبا .. وأخذت دفترها .. وقامت تسطر حياتها .. وأيامها .. وذكرياتها .. لقد أخذت عهدا أن تكتب حروفها القاتلة كل يوم بعد رحيله .. حتى يعلم أنها لم تنساه يوما ولن تنساه ..
أخذت تكتب وتكتب .. وقلمها ينزف كل حرف .. ويسيل في هذه الأوراق .. ولكنه تخور قواه بين الحين والآخر .. عندما تصله آلام قلبها وتأوهات جسدها العليل .. إلى أن أحست على صوت بجانبها .. إنه ابنها .. بذرة الحب التي نتجت عن زواجها قبل رحيل زوجها ووفاته في ذلك الحادث المؤلم .. لم تكن تدرك إن الله سلب روحه وبث روحا أخرى في جوفها إلا عندما أخبرها الطبيب بذلك .. ونصحها بالأكل الجيد والحياة المريحة و إلا فقدته نهائيا .. كانت نبضاته تكاد تنتهي لولا إصرارها وتشبثها بآخر خيوط الأمل ويقينها أن الله معها .. والآن تراه أمامها .. وتفيق من خلوتها عليه .. وهو ينهي حياتها .. ويسكب على أوراقها الماء .. الذي أمحى كل حروفها القاتلة .. لماذا يا ولدي قتلتني من جديد ؟؟ لماذا هدمت الخيوط التي كنت أنسجها كل يوم وليلة ؟؟ لماذا ساعدت في محي حروفي ومشاعري ؟؟ ولماذا سكبت ذلك الماء على فوهة الصندوق .. هل تريد إنهاء ما عهدت نفسي على إكماله ؟؟ أم تريد أن أنسى من أحب وأشعره بنسيانه ؟؟ لا يا أيتها المياه .. لا تزيلي كل الحروف القاتلة .. ولا تمحي حياتي الماضية .. ومشاعري الباقية .. لا يا أيتها المياه انتظري ولا تغوصي في أعماق ذلك الصندوق علي أجد حروفا لم تمحى من أثر مرورك عليها ..
ولكن تلك المياه لم تنتظر رجائها .. ولم تقف لحظة واحدة في انتظارها .. لقد قضيت على كل نواحها .. وجعلتها تنوح من جديد .. وتنثر الدموع المميتة في أجواء المكان .. إنها تنوح على ذكرياتها التي لم تنتظر لحظة لتنقذها .. إنها تبكي على حياتها التي سطرتها بمشاعرها الميتة .. وهو ينظر إليها بذهول .. وتساؤلات تعصر في ذهنه الصغير .. لماذا تبكي أمي على تلك الأوراق البالية ؟؟ لماذا تنوح على رسائل قديمة تغير لونها من جراء مرور الوقت عليها ؟؟ ماذا بها لا أفطنه ؟؟ وعلى ماذا تحتوي ولا أدركه ؟؟ كيف سأقول لها ما يدور في ذهني وأنا لم أقوى على النطق بعد ؟؟ ومازلت صغيرا على الحديث وفهم الأمور ؟؟ سأذهب لعناقها .. ربما تنسى تلك الأوراق الكئيبة .. سأرتمي في أحضانها حتى تنسى تلك الدموع ..
اقترب منها وقامت يداه تلامس خديها .. وتضرب على كتفها .. رفعت وجهها إليه فرأته يبتسم لها .. لقد أفاقت من غفوتها .. إنه ابنها الصغير .. روحها الوحيدة الباقية .. رفعت بصرها إلى حيث وضعت ذلك الصندوق .. فرأته كما وضعته هناك .. ولم تلامسه المياه بتاتا .. أدركت أن ما رأته كان مجرد كابوس .. وأن المياه التي رأتها ليست إلا حلما مزعجا .. وأن حروفها القاتلة مازالت هناك في تلك الأوراق .. فأخذت ابنها الصغير إلى أحضانها .. تعانقه بشدة .. وهو مذهولا أمام دموعها التي تنساب على ملابسه .. أدركت أن وجودها أهم من تلك الحروف القاتلة .. وأن حاجته لها أكثر من ذلك الصندوق العتيق .. وتلك الرسائل البالية ..