حاطب الليل...
ما إن بدأت في صعود التله حتى ازداد حماسي فتقاربت خطواتي
وتلاحقت أنفاسي... كنت أقذ الخطى لأصل إلى مبتغاي... إلى ذلك الكوخ الوحيد فوق التله...
كان الجو مساء ذلك اليوم بارداً, ربما كان أبرد أيام الشتاء...
شارفت على قمة التله فبدى لي ذلك الضوء الخافت منبعثا
من بين ألواح الكوخ... وقفت برهة أفكر... كيف هو شكله...
كيف سيكون استقباله لي...
بالمناسبه؛ يقال انه كان حطاباً نشيطاً...
كثيرا ما كان يحتطب ليلا... ويقال إنه أصيب بمس من جنون فترك القريه وأستقر على هذه التله وفى هذا الكوخ الذي بناه بنفسه...
ويقال أيضا أنه يتوهم بأنه متزوج من أميره من الجان... أستعذت بالله من الشيطان
فكرت بالعوده إدراجي إلا أن صوت باب الكوخ جمدني مكاني...
كان هو...
عيناه تلمعان... بدى أصغر من ما قيل لي كثيراً...
مازال شابا... يرتدى جلبابا بنى اللون ( كستنائي) ...
بادرني: من أنت و ماذا تريد؟!!
تلعثمت قبل أن أجيبه بأننى عابر سبيل...
وقد انقطعت بي السبل وطلبت المبيت ليلتي عنده...
وافق بعد تردد...
دعاني للدخول, ما لفت إنتباهي انه ورغم غياب القمر كان الوجود من حولي مكسواً بنورٍ مشرقٍ حالم وكأن التله تعكس نور أللاشي فتتوهج وتشع رمالها... كسر صمتي مكررا على مسامعي دعوته لي بالدخول ...
استجبت متلهفاً متطلعاً متخوفا...
كان الكوخ من الداخل أجمل من أن يسمى كوخا... لم يكن في الكوخ سوى نافذه واحده مغلقه... واعتقد أنها لم تفتح منذ دخول فصل الشتاء...
في إحدى زوايا الكوخ مدفئه خشبيه مشتعله... كان الكوخ دافئا بدفي شمس الصباح ألوادعه على عكس خارجه...
طاوله دائريه صغيره تتوسط الكوخ؛ محاطه بكرسيين من الخشب...
تنبعث من جنبات الكوخ رائحة العود ...
قبال الباب الذي دخلت منه باب أخر موارب يبدو أنه يوصل إلى المطبخ... جواره باب أخر عرفت فيما بعد أنه لدوره المياه...
أجلسني مقابلا لما اعتقدته باب المطبخ...
أزال بعض تساؤلاتي حين بدأ الحوار بقوله:أعتقد إنك مستغربا من رائحة العود...
رددت بالإيجاب...
فقال :الطاوله والكرسي الذي تجلس عليه وهذه الأبواب مصنوعه من خشب العود؛ ففي الغابه التي تلي هذه التله الكثير من أخشاب العود...
دون تردد أتبع كلماته بسؤال كان بالنسبة لي أقوى من الصفعه...
سأل قائلاً : لماذا أتيت؟!!
جف ريقي وتبعثرت الأحرف ولُجِمَ لساني...
لم أجب بل ظلت مشدوها فاغرا...
لم ينتظر إجابتي بل دلف إلى الداخل...
غاب بعض الوقت... عاد ومعه بعض الشراب وكثيرا من الفاكهه وضعها أمامي... أحضر مصباحا زيتيا إضافيا وأشعله ووضعه على الطاوله...
كانت حركاته رشيقه أكثر من المعتاد؛
فبدى أنه لا يطأ الأرض بل لا يلامسها...
أكاد اقسم بالله انه لم يكن يمشي على قدميه...
ما أن أخذ موضعه أمامي
حتى أطلّت برأسها من باب المطبخ...
أدهشني جمال عينيها... كانتا عينين زمرديتين لامعتين واسعتين...
صمت حين رأى نظراتي...
كان يراقبني بصمت وكنت أراقبها بصمت...
من رشاقتها خرجت حتى دون الحاجه لفتح الباب...
لم تبالي بي بل اقتربت منى برقه و دلال تتمايل في خطواتها بغنج ...
أقتَرَبَت فانسابت في قلبي
كنسمه عبيريه ملامسه لموج البحر على وجه عاشق يبث شكواه لقرص شمسٍ يغفوا في أحضان البحر...
هبت نسمه هواء لم أعرف مصدرها... فأطرقَت ثم رفعَت رأسها بثبات ...
إنعكفت وسحبت أعطافها بحركه هلاميه رشيقه, غدَت كحوريه تغتسل من نبع نور...
أدارت رأسها إلي ببطء فغرقت في زرقة عينيها التي بدت كبحر ساكن في لمسه حب مع أطراف اليابسه...
نظراتها... كأنها العتاب ... أحسست أنني كمن يستأثر بمعشوق عن عاشقه...
كل هذا وهو يراقبني بصمت...
دنت منه فاحتواها في حضنه...
تحركت وتغنجت حتى ظننت إنها ستذوب في مسامات جسده... بدت كعود ألبان...
استكانت وهدأت كطفل نائم في رحم القدره الألاهيه...
قبّلها فتناثرَت شوقاً وتقطعت دلالاً...
احتواها بهدوء فأطلقت صوت خافت((مياو))
لاحظ إعجابي وتعجبي... فبادرني: ما رأيك في قطتي؟!!
أجبته... يعلم الله إنني لم أرى في جمال هذه القطه...
قال:هذه الكبرى... لو رأيت الصغرى لأُعجِبتَ بها اكثر...
وتابع قائلاً: هي لا تختلف عن هذه كثيرا... لكنها أكثر بياضاً... سيدهشك جمال عينيها... وإبداع خلقتها... صمتَ طويلا ًقبل أن يقول: لِمَ لا تبقى معي وتصبحَ حطاباً؟!! على ألا نحتطِبَ إلا ليلاً...
أسرني كل شيء فلم انطق بكلمه...
تركني و دخل من باب المطبخ وغاب...
افتقدته فتجرأت ... اقتربت من الباب وفتحته...
كان الباب يؤدى إلى باب أخر...استوقفني ما هالني... كانت القطه مستلقيه على الأرض بوداعه... جوارها... كان هو... قطٌ آخر... بنى اللون ( كستنائي) ... نظر إلي فاغمض في هدوء...أما القطه فنظرت إلي مطولاً, بدت كمن يبتسم...
تثائَبَت بدلال و أغمضَت...
عدتُ خائفاً... أرتميت على الكرسي فأسرتني رائحة العود صممت على الرحيل... توجهت للباب مغادرا...
في الخارج... رأيت القطه الأخرى... مستلقيه على كثيبٍ رملي...
بيضاء بياض الثلج... حوريه... أجمل... أروَع... رقيقه... تحتويها التله لتحميها...
التقت أعيننا فاعترتني رعشه, أشاحت بوجهها عني بهدوء...
أما أنا فقد نزلت التله مسرعا...
أقسمت أن أعود... سأشترى فأسا...
سأشتري حبلا وسأعود...
سأعود لأصبحَ حطاباً...
قررت أن أكون حطاباً بليل...
..
ضوء الليل
NightLight