جبلٌ يتلوه جبل, سلسلة متصلة...
ومن وادٍ إلى وادي, نصعد مرتفعاً و نهبط لنصعد آخر...
هكذا الطريق!!!
الشمس ترافقنا, تظهر تارة وتختفي خلف الجبال أخرى...
أحياناً لا أرى إلا أشعتها...
و أحياناً ألمح قرصها بين الجبال و سرعان ما تختفي...
تتوهج قليلاً ثم تخبو...
هكذا مشاعري...
صورة إلى الآن عادية...
نمطية, لكن يختبئ خلفها عالمٌ سأنتقم منه...
عالمٌ أنتظر العودة إليه منذ زمن!!!
ما أنوي القيام به, شئ غير نمطي وغير عادي!!!
يحدوني الشوق لأصل إلى قريتنا, بعد غياب دام سنين طويلة...
من مشارف القرية, بدت مهجورة إلا من بعض السكان الذين لم يرحلوا عنها...
في الطريق إلى منزلنا القديم بدا كل شيء شبه خاوٍ...
هذه الأراضي كانت خضراء, و أشجارها كانت سكناً للطيور بأنواعها...
لم يبقَ منها إلا سيقان كانت تحمل ثمرا...
بدت المنازل كئيبة تنعي ساكنيها...
عدنا إلى القرية...
عدنا إليك يا منزل, يا مهد الصبا...
من الآن سيكون هذا المنزل مصيف لنا...
وصلنا فاتجهت مباشرة إلى حيث التلة...
وقفت أمامها أتذكر...
خاطبتها بتهكم : أطفالاً كنا بالأمس, والآن كيف أبدو يا تلة؟!!
كانت هذه التلة الرملية ساحة لعبنا...
أحياناً كنت أراها كبيرة عالية و أحياناً أشعر أنها قصرت...
لم أع دور الرياح إلا بعد سنين...
كانت الريح تقترض من التلة رمالها, فقط لتلفح وجوهنا ثم تعيد للتلة ما أخذت...
لم يكن لسفح التلة اتجاه , فهي مع الرياح حيثما اتجهت أدارت رأسها...
صعود التلة كان اكبر تحدٍ في وجهي...
الأولاد والبنات الأكبر سناً يصلون لقمتها, يتركون آثار أقدامهم على رملها الناعم...
أما أنا فكنت أعجز عن ذلك...
يضنيني الوصول حتى لمنتصفها, فأطبع آثار يديّ...
كم تمنيت أن أترك أثراً لقدمي هناك...
لا أصل لقمتها إلا نادراً و في الحقيقة لم أصل لقِمَتِها أبداً...
عزائي الوحيد أنني حفظت آثار أقدامهم جميعاً...
يسألونني فأحدد, هذه آثار عفاف و هذه لأحمد و هذه خطوات سلمى
أما هذه الآثار فهي لأخي وهذه هناك فهي لقدمي أزهار
وهذه الآثار الصغيرة لأختها ازدهار...
أتدرون, كانت" ازدهار" أصغر مني إلا أنها " قادرة" ...
أما هذه الآثار فلا تخفى عليّ , بل لا أظنها تخفى على أحد...
إنها آثار راشد, لأنه فقد أصبعاً من قدمه اليمنى...
حتى الآن لا أدري كيف وصل أصبعه إلى " مكنة الريّ" الخاصة بمزرعتهم...
يقول أنه كان يسبح في البئر و لا يدري ما الذي حدث بعدها...
أتسائل, أين هم الآن؟ بل أين أنت يا راشد؟!!
كم كرِهتُكَ "طفلة"...
دائماً ما ينعتني بصفةٍ تبكيني, وكم تشاجر معه أخي على ذلك...
يبكيني ويعود ليصالحني...
اذكر أنني في مرة أقسمت أن لن أسامحه أبد الدهر...
كنا صغاراً, عاد يراضيني, فنسيت ولعبنا معاً...
أتمنى أن أراه, لا لشئ سوى ليرى كيف صارت تلك المسكينة...
تحديته أنني سأصعد التلة يوماً ما...
ها أنا ذي يا راشد فكيف أبدو؟!!
عدتُ أنظر إلى التلة... سأخترق قلبكِ بقدمي...
هذه المرة لن أعجز...
وقفتُ أمامها شامخة... أصبح السؤالُ ملِحاً...
بصوتٍ عالي كررت: عدتُ يا تلة فكيف أبدو؟!!
لا مـــجـــيـــب!!!
طبعتُ قدمي بقوه حتى غاصت فاحتضَنَتها ذرات الرمل الناعمة بحب...
جثوتُ على ركبتيّ وفي نفس المكان الذي كنت أجلس فيه طفلة...
استعدتُ أدق الذكريات تباعاً...
حتى الضحكات أسمعها...
استلقيتُ على التلة انظر إلى السماء فاحتواني دفء رملها بِرقّة...
حادثتُ نفسي, سأرفق بكِ يا تلة, بشرط أن تجيبي كما أريد!!!
سألتُ بإلحاح: عدتُ من جديد فكيف أبدو يا تله؟!!
صوتٌ من داخلها أجابني : رقيقة كالسابق...
أخطأتِ الإجابة يا تلة...
ليس ذا ما أبغي... هذه المرة سأترك أثري...
سترين... لن أعجز...
وقفتُ أنظر إليها... بدت لي صغيرة... تافهة...
خطوت أول خطوة... و الأخرى, تلتها خطوات...
بثبات وصلتُ إلى القمة...
نصّبتُ نفسي ملكة عليها...
تنفستُ بعمق... ابتسمتُ ظفراً...
فتحتُ ذراعيّ و أغمضتُ عينيّ...
سألت بتحدٍ: وصلتُ إلى القمّة فكيف أبدو يا تلة ؟!!
أتاني الرد: جميلة كالعادة ... بل أكثر...
عرفتُ الصوت لكني لم أعرف مصدره...
كررت السؤال...
هذه المرة سمعتُ الصوت واضحاً : ألم تنسين ؟!!
ابتسمتُ ابتسامة المنتصر, فقد رأيته واقفاً خلف التلة...
أجبتُ بثقة: لا... لا , لم أنسَ...
أختكم ضوء