أنا وافضل صديقاتي نلتقي دورياً عند إحدانا...
اليوم, سيكون الاجتماع عندي...
وصلن في الوقت المحدد إلا أنهن رفضن الجلوس في المجلس وهو المعد لذلك...
طلبن أن نجلس في غرفتي, فعلى حد قولهن, ستكون الجلسة اكثر اخويه و " شبابيه"...
اعرف أنها فكره " صفية" فهذه الفتاة كثيرا ما تشاكسني, رغم ذلك فأنا احبها...
استأذنتهن وعدتُ إلى غرفتي على عجل لأرتِبَ تلك الفوضى التي لو رآها شخص لظن أن رحى داحس والغبراء دارت هنا...
رتبتُ الغرفة ودعوتهن, حين دخلن ارتمت" صفيه" على سريري وهي تغمزهن وتضحك, لعلمها بأن سريري فائق الخصوصية, وربما كان قصدها أن تثبت لهن بأنها أقربهن إلى قلبي رغم إنني والحق يقال, حين أبيتُ يومي عندها, استولي على سريرها فترفع راية الاستسلام راضيه و تنام هي على الأرض...
غبت لأحضر شئ يشربنه وحين عدت وجدت كل من في الغرفة يضحك...
بادرتني " صفيه" بشقاوتها المعهودة وقالت: كنا نتحدث عن نظره الناس للأمور وان هناك الكثير من الزوايا لرؤية الأمر الواحد...
اعرف أنها تقصدني فهي مصره على إنني انظر إلى الدنيا بنظره مختلفة عن نظره كل الناس, وانه ينبغي عليّ زيارتها ثلاث مرات في الأسبوع لترقيني باسم الله وتقرأ على رأسي القليل الذي تحفظه...
كم حاولتُ التنصل من هذه الصفة لكنها تُصِرُ على ذلك...
أجبتها: إذا كانت النظرة صحيحه فلا ضير في ذلك و أن الأمور وجهات نظر و لولا الاختلاف لبارت السلع...
قالت منى: سبب هذا الموضوع إنني قلت أن الليل رمز للوحشة والغموض والكآبة و أنني لا احبه...
قلت: وجهه نظر مقبولة ولا غبار عليها...
ثم وجهتُ كلامي إلى"ازهار": كيف ترين الليل؟!!
فأجابت: أراه عنوان للسكون وراحه البال و لحظه الصدق الوحيدة في يومنا...
التفتُ إلى "صفيه" ظافرة وقلت: ماذا عنك يا صفية!!
أجابت على عجل: دوره من دورات الحياة...
عرفتُ أنها تتهرب, فلم نقبل بهذه ألا جابه...
تنحنحَت"ازهار" و قالت: لن نقبل بإجابة علميه...
أيدنا كلام "ازهار" فوقعت صفية في مأزق...
قالت صفيه" بصوتٍ اقرب إلى الهمس: أرى الليل كستارة تُغلق على العالم المادي لنحلق في عالمٍ من الأحلام والرومانسية...
كلام" صفيه" جميل لكن يجب أن أُهاجِم حتى اسلم من السؤال...
قلت لهن: دعونا نلعب لعبه ولنسمها وجهه نظر!!!
أول من وافق على فكرتي كانت "صفيه" فقالت: لعبه جميلة وسنحدد جميعاً من منا ترى الدنيا بنظره " غير الناس"...
إنها تعنيني و ستوصلني إلى الفخ...
بادرتنا منى قائله: أنا سأختار, ما رأيكن في غروب الشمس على شاطئ البحر؟!!
فأنا أرى إن البحر جبار!!! يستدرجها ليبتلعها و في الصباح يبصقها...
...قالت" صفيه": التقاء الأضداد, تهوي إليه عاشقه فقط ليقبلها وتختفي...
أما أنا فقلت: كمواعيد العشاق, لا يخلفانها أبداً... تغرق فيه عشقاً فيحتويها برقة...
صمتت "ازهار" قبل أن تقول:أراقب الغروب فأراها تغرب فيه, كأنه ابتلعها, وحين يبدأ المد, اشعر انه اتجه لليابسة ولا اهدأ حتى تشرق...
نظرنا إلى بعضنا من إجابة "ازهار", فلكل شخص نظره سوداوية أو خيالية, إذاً يجب أن استغل هذه الفرصة لألصق التهمه بغيري...
بادرتهن بالحديث وقلت: مادامت "ازهار" أدخَلت المد و الجزر في الموضوع سأخبركم بنظرتي...
أنا أرى ذاك الهادر كطفل وديع, يلعب في رقه فيرفع ردائه لفوق الكعبين نهاراً و يفرده مداً إذا غابت الشمس...
قالت صفيه: يمسح على جبهة اليابسة ليزيل عنها عناء النهار...
أما منى فقالت: يذكِرنا بأن له حدود و يخشى أن ينام فتُسرَق منه...
أيقنت أننا جميعاً نمتلك تلك النظرة الأسطورية للأمور لكن باختلاف المقادير...
في هذه الأثناء هبت نسمةٌ منعشة من خلال نافذة غرفتي المفتوحة, فقررنا النزول إلى حديقة المنزل...
حين وصلنا إلى الحديقة كانت الريح تلعب بأوراقِ الشجر الصفراء المتساقطة...
لاحظت وجود أربع ورقات " صفراء" في ركنٍ هادئ من الحديقة...
كانت تدور حول نفسها في حركه حلزونية...
وقفت انظر إلى الأوراق في دهشة...
اقتربت مني صفيه ولكزتني قائله: ها ماذا ترين؟!!
بصراحه , فاجأني سؤالها إلا إنني وقفت أمامهن و أملتُ رأسي قليلاً إلى الوراء وقطّبتُ حاجبيَ ,بحركات أُقلد فيها مدرستنا لمادةِ الجغرافيا...
قلت لهن ملوحة بإصبعي أمامهن: الريح تحرك أوراق الشجر, وللريح طاقه تسمى الطاقة الهوائية, لذلك وفي بعض البلدان يستخدمون الطواحين الهوائية للأستفاده من هذه الطاقة...
ثم تابعتُ قائله: فاهمين يا بنات؟!!
ضحك الجميع وضحكت معهن...
تابعتهن ببصري حتى ابتعدن عني قليلاً...
عدت انظر إلى أوراق الشجر الأربع...
ابتسمتُ في سري...
كلام صفيه صحيح...
فبصراحة لم اكن أراها مجرد أربع ورقات تداعبها الريح...
بل كنت أرى أربع جنيات صغيرات في يد كل واحدة منهن ورقه صفراء...
يتقافزن في رشاقة ويرقصن في دائرة...
يرتدين اجمل حلة...
صفراء كشعاع شمس الخريف...
زرقاء كلون سماء الصيف الصافية...
خضراء بلون أوراق الشجر في فصل الربيع...
بيضاء,أصفى من بياض ثلج الشتاء في قمم الجبال العالية...
عرفت سبب فرحتهن...
عرفت سبب رقصهن...
كنت أرى جنيات الفصول الأربعة...
فأنا أكاد اسمع كلمات أغنيتهن...
"جاء الخريف يعانق الأشجار ** بمحبةٍ والحبيب يزار"
كنّ يحتفلن بدخول فصل الخريف...
اختكم:ضوء
NightLight
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التوقيع
التعديل الأخير تم بواسطة ضوء ; 11-01-2005 الساعة 18:12.