ناقله الأموات...
رغم مرض والدي إلا أنني مازلت أنتظر... قدمت كل الأسباب المقنعة والغير مقنعة ومازلت أنتظر...
أعتدت أن أقابل الجيران كل يوم... كالساعة... عند عودتهم من صلاه الفجر...
حالي حال كثيرا من الفتيات...
استساغ البعض عذابنا... وتجاهل البعض معاناتنا...
مازلت أذكر أول يوم لي كمدرسه...
في النقطة الحية الوحيدة في مشواري... على عتبة دارى... كنت أنتظر... أتحرى السائق...
حملت معي بقايا نوم لم اهنأ به...
نسمات الصباح الباردة تستبيح جسدي دون استئذان...
تكشف عن أطرافي دون رحمه... تلصق ملابسي بجسدي فتشعرني بأنني عارية...
ترسم جسدي رسما... تفصلني تفصيلا...
تنسل من بين قدمي لتتشربها مسامات جسدي فيقف من برودتها شعر رأسي ...
تلسعني بموجات باردة حتى تصطك أسناني...
أنكمش على نفسي لاحمى جسدي... من نظراتٍ تلتهمي...
نظرات تستمتع بالتجول بين صفحاتي...
ما أقسى أن تلتهمك الأعين كل يوم...
ما أصعب أن تواجه أكثر من خصم...
مؤلمة هي طعنات عدو محسوس لكن غير مرئي...
نسمات أشعر بها تعريني حتى من جلدي...
نسمات تمهد الطريق لأعين تغرس سيوفها في بدني ...
أعين تخترق دروعي لتحتل صروح جسدي ...
وصل السائق... تحركت لاختفى عن تلك النظرات...
حشرت نفسي في تلك السيارة الصغيرة المتهالكة... ما أن أغلقت الباب حتى جثم على صدري هم بثقل الجبال...
طعم بمرارة العلقم يقطر في حلقي...
غصة تغرس خناجرها في روحي...
كنا خمس فتيات... رأيتهن جنائز في تابوت واحد... رؤوسهن كأغصان شجره ميته تلعب بها الرياح...
لاهي لينه طيِّعة ولا صامدة ثابتة...
متشحات بالسواد... كالغربان...
همساتهن كنواح الثكالى... كبكاء الأرامل... شعرت أن هذه ليست سياره بل ناقلة أموات... شعرت أن أرواحهن غادرت من وقت طويل... ربما كن كذلك...
نظرت إلى الفتاه التي بجواري... نظرت إلي... ابتسمتُ لها مرغمه... مطت شفتاها...
أغمضت... سكنت قليلا... تنَهَدَت... ابتسَمَت مغمِضه وأشاحت بوجهها عنى...
إحداهن تنظر من النافذة... للمجهول... للبعيد...
ربما كانت تتحرى الأمل... أو فارس على حصان أبيض ليخلصها...
أما الثالثة... فأرجعت رأسها للخلف قليلا...
يخال إلى أنني أسمع بكائها الصامت... أنظر إلى صدرها لا تأكد إنها تتنفس...
عطس السائق... فتمتم بكلمات... أظنه كان يحمد الله... لم يشمته أحد... وهو لم يبالي ... نظرتُ إليه... بدى لي أحفورى... أثري...
تجاعيد غطت جلده... شاهده على قوة الأيام... نتوءات متوافقة... متطابقة...
لاحظت أثر جرح غائر على رقبته... أثر طَوَّقَ كل الرقبة... لولا يقيني لقلت أنه من اللا عوده, لأقسمت أنه بُعِثَ من الموت...
تحت أذنه اليمنى بدت علامة((كيّه))عجبا كيف أحتمل أن تُسَخَن قطعه حديدية وتوضع على جسده... أحمد الله أن قال الرسول الكريم(إجعلوا آخر تداويكم بالكي)
أو كما قال... وإلا لغدت وجوهنا كرقعه شطرنج...
لفت نظري شئ... كانت ملابسه متسخة جداً...ألا يملك الوقت ليستحم؟!!...
ربما الفقر أو المشاغل...
نظرت في المرأة الاماميه لأرى وجهه...
تقاسيم صارمة لدرجه الموت... أضافه إلى ذلك كان ((أعوراً)) اقتربت قليلا نظر إلى فجأه من خلال المرأة... باغتني... شعرت أن قلبي وصل إلى قدمي...
اعتدلت في جلستي وتجاهلت...
حمداً لله لم يكن شابا... وإلا لاجتمع الخوف مع وحشه الطريق...
عرفت فيما بعد أن الميّتة التي بجواره...!!! عفواً,أقصد الفتاه التي بجواره أبنته والأخرى ابنة أخته...
يا لهذه المسافة... ألم نصل بعد؟!!...
لا أرى سوى الفراغ أمامي...
وشبح مدينتي خلفي...
كنا نسير على بقايا طريق... بقايا أسفلت... سكه نسيها الناس من زمن...
بدأت السيارة تهتز وبقوه وبدأنا نتقافز داخلها... أخذت رؤوسنا تصطدم... كنت أردد في سري((رفقا بالقوارير))...
لم يبالين بل عدلن في جلساتهن بأن سحبن أنفسهن قليلا للأسفل فاستقرت رؤوسهن وأكملن سباتهن...
نظرت للخلف فرأيت حزمه من الغبار طويلة...
لا أدري هل كنا نهرب منها أم كانت ترافقنا...
ذرات تقتحم السياره عنوهً لتلصق بعبائتي السوداء وتجعلها كسماء ليله صافيه في غياب القمر وقد طرزتها النجوم لتقوم بمهمة الأضاءه...
صحيح السفر قطعه من العذاب...
قررت... لن أبقى في هذه المدرسة... سأطلب نقلي لمنطقه أقرب...
ربما أُنقَل بعد سنه ... لايهم سأصبر على هذه السنه...
بعد عناء وصلنا...
رأيت المدرسة من بعيد...
كانت المدرسة قصه أخرى...
كأننا في زمن غير الزمن ودنيا غير الدنيا...
هممنا بالنزول...
خاطبتني إحداهن قائله:أعتقد أنك تفكرين في أن تطلبي نقلك من هذه المدرسة...
وربما تصبرين فيها عاما واحدا...
المضحك في الأمر أنك لن تحصلي على النقل لو قضيتي العمر كله...
تركتني وغادرت... دلَفَتْ إلى المدرسة من فتحه في الجدار تسمى مجازا((باب))
بقيتُ واقفه...
غادرت السياره وأنا اتبعها بنظري...
غادرت ناقله الأموات وهي تطلق أزيزاً كأنها تسخر منى...
صوت...كضحكه إبليس...
حزمه الغبار مازالت تطاردها... أخذت تبتعد مخلفه وراءها عالما أهليجيا مشوش المعالم...
حزمه تبدأ رفيعة وتتكور لتغدو ماردا أسطوريا نصفه سكن في رئتي والباقي رافق الهواء ليشكل سديماً عازلا خنق حتى ضوء الشمس...
طعم بكاء يعتريني... سربال حزنٍ تغشاني ...
تذكرت والدي... أخواني... شعرت بدمعهٍ حارقهٍ على خدي...
أيقنت أنني علقت في هذا البعد الزمني السحيق...
سجنت في هذه النقطةِ الميتة...
تقدمت بتثاقل وعبرت الفتحه...
ابتلعني ذلك الثقب الأسود عبرت إلى عالمٍ سرمديٍ أصعب...
ورغم مرور 8 سنوات إلا إنني مازلت أنتظر...
قدمت كل الأسباب ومازلت أنتظر...
8 سنوات وأنا بين تلك النقطه الحيه عند عتبة داري وهذه النقطه الميته عند فُتحه الجدار...
تعاطف مع عزه و روضة و مع كل المدرسات من بنات جنسي!!!
اختكم: ضوء
NightLight