انتهت السيدة من وجبتها .. ولما تكمل قطعة الخبز بعد .. فوضعتها في كيس وتركتها جانبا ..
ولكن المشكلة أنها وضعت أمامها علبة الحليب .. فاختفت عن الأنظار .. وهناك .... في ذلك الخفاء .. بدأت ولادة الفطر الأخضر الصغير .. تلته في ذلك العديد من الفطريات مكونة خلية صغيرة على قطعة الخبز المسكينة .. ودون أن يعلم أحد ..............
******************************
كانت تلك الكائنات تعيش حياتها الجديدة بسعادة .. وان كنا نرى أيامها قليلة على وجه الأرض .. إلا أنها تشعر أنها تعيش دهورا .. وتستمتع بدقائق حياتها دقيقة دقيقة ..
وفي يوم من الأيام اكتشفت السيدة خطأها الفادح .. ولكن الأوان كان قد فات ..
رأت الفطريات عيني السيدة تحدق بها في اشمئزاز .. فتوجست شرا .. لكن السيدة كانت لطيفة .. فلم تؤذي أيا منهم .. وكل ما فعلته أنها حملت الكيس بأطراف أصابها المتقززة .. وألقت به في سلة المهملات ..
وكان مصير صديقاتنا في آ خر المطاف ....... حاوية النفايات الكبيرة على طرف الشارع الجانبي ..
شعرت الفطريات بالظلمة الحالكة .. والروائح الكريهة .. لكن ما من شيء كان يمكن أن يمنع هذه الكائنات القذرة من الاستمرار في التكاثر .. والأكل واللعب .. على طول الخط ..
- أي .. يبدو أن أحدهم قد ألقى بكيس نفاياته فوق رأسي .. ما رأيك يا عفون ؟؟ ماذا أفعل ؟؟
- لاشيء .. استمري في نهش هذا الخبز .. قبل أن تقضي عليه بقية الفطريات ..
انظري إليه .. لقد شارف على الفناء .. سيكون إنجازا عظيما بالنسبة لكائنات دقيقة مثلنا أن تجهز على قطعة خبز بهذا الحجم ..
- بالتأكيد .. نحن لها .. ولا فخر .. ولكن يا عفون ..
قاطعها قائلا وقد انتفخ من الغرور :
- هذه وظيفتنا يا عزيزتي .. لن نتوقف عن أدائها .. حتى لو كان فوقنا مائة كيس نفايات ..
- يالك من شهم .. أما كان الأجدر بك أن تساعدني بدلا من إلقاء محاضرة عن إنجازاتنا الضخمة ...
- صه يا صغيرة .. انظري إلى هذه .. ألا تبدو من فصيلتنا ؟؟
- بلى .. انظر إليها .. إنها تعمل بجد ... ولا تضيع وقتها في الثرثرة مثلك ..
هاي .. أنت يا جرثومة .. ماذا تفعلين في هذا المكان الممل ؟؟
- مكان ممل ؟؟ إنكم لا تقدرون النعمة .. ولا تعرفون شيئا .. يبدو أنكم حديثوا الإقامة ..
- عن أي نعمة تتحدثين ؟؟ نحن نأكل من هذه الخبزة منذ أيام .. وستنتهي عما قريب وننتهي معها .. فكيف تقولين نعمة ؟؟
- أوووووووه يا عزيزتي .. لا تقلقي أبدا ... أولا دعينا نتعرف .. أنا اسمي جوجي .. وأنت ؟؟
- هذا عفون .. وأنا فطرة الصغيرة ..
- أهلا بكما بيننا .. أنظرا .. هل تريان ذلك الكم الهائل من الأكياس ؟؟
- نعم ..
- إن هذه الأكياس مليئة بأصناف الطعام .. لحم .. وخبز وأرز وخضار ... وكل ما يخطر على بالكما من أطعمة .. نحن في مأدبة ..
أخيرا خرج عفون من صمته قائلا :
- لكن أليست هذه الأطعمة متعفنة ؟؟ سيكون لنا شركاء حينها .. ونحن لا نريد شركاء ..
- ليست جميعها كذلك .. فبعض الناس يرمون أطعمة سليمة تماما من كل عيب ..
- لماذا ؟؟
- لمجرد الترف ..
وفي تلك اللحظة قفز فأر قميء إلى الحاوية .. وكانت الكارثة أن التصقت به جوجي قهرا فصرخت :
- النجدة .. أنقذوني من قبضة هذا الفأر .. هاي .. أيها الفطران ..
قالت فطرة :
- لا نستطيع .. خلصي نفسك بنفسك .. أو ارضي بمصيرك أيا كان ..
- ولكن هذا الفأر لابد خارج من هنا .. وسينقلني معه إلى حيث لا أدري .. أرجوكما لا أريد أن أغادر هذا المكان السعيد ..
- انظري الي يا جوجي .. هذا الكيس يكاد يقسم ظهري ومع ذلك لا أستطيع أن أزيحه عني .. فكيف تريدينني أن أنقذك ؟؟
أخذت جوجي تبكي .. فقالت لها فطرة مهدئة :
- لا تبتئسي هكذا .. فلعل في ذلك خيرا لك .. ارضي بما قسمه الله لك ..
ساعد ذلك في استعادة جوجي لبعض حيويتها .. وأخذت تفكر بشكل أكثر تفاؤلا .. فربما أخذها الفأر إلى حاوية أخرى .. أو إلى بيت مليء بالطعام .. ذلك سيكون أفضل من حاوية النفايات القذرة ..
لكن جوجي لم تتوقع أبدا حقيقة ما سيحدث ..
لقد قفز الفأر بها فعلا .. هاربا من صوت سيارة النفايات الضخمة ..
بينما قام العمال بإفراغ الحاوية في تجويف السيارة ذي المحرقة ..
ومن بعيد .. رأت جوجي فطرة وعفون ومسكنها القديم المحمل بذكرياتها الجميلة .. رأت كل ذلك يحترق .. ومضت السيارة .. فتابعتها جوجي بنظراتها حتى اختفت ..
وعرفت جوجي في تلك اللحظة فقط .. ماذا تعني كلمات فطرة عن الرضا والقناعة ....