الحكواتي : ولم يعرف جابر أن هذا الرجل الذي ينادونه " لهب " هو بالذت سياف ملك بلاد العجم السيافون يتصفون دائما بالدقة . لا يهملون شيئا ، ولا يحبون الكلام . وما إن أصبحت كل الأدوات جاهزة ، حتى أمسك لهب بيده المعدنية رأس المملوك جابر . وضعه على القاعدة الملطخة بالدم اليابس . وبضربه من بلطته المسنونة فصل رأسه عن جسده . ( يتم ذلك إيمائيا ، وأمام المتفرجين . ينتشر اللغط بين الزبائن .. ثم ترتفع الاحتجاجات ) .
زبون 2 : ما هذا ؟.
زبون 3 : يقطعون رأسه بعد كل ما فعل.
زبون 2 : لا يجوز .
زبون 1 :ما هذا الجزاء .
زبون 4 : قلت لكم ، يمكن أن تنتظره أيضا أسفل المراتب .
زبون 2 : إننا لا نقبل .
زبون 1 : نهاية غير عادلة .
زبون 3 : ينبغي أن ينال ما تستحقه فطتنه .
الحكواتي : ( يعلو صوته ، ويحاول السيطرة على الضوضاء ) وبعد أن تدحرج رأس المملوك جابر ، حمله السياف " لهب " . والدم يقطر منه . وتأمله طويلا ثم انفجر يقهقه .
( السياف يتقدم من الزبائن ، حاملا الرأس المقطوع .. ينظر إليهم ويقهقه ) .
زبون 2 : أعوذ بالله من هذه الخلقة .
زبون 1 : هيئة عزرائيل .
زبون 3 : قطع الله يدك .
السياف : ( يتوقف عن القهقهة . يتفرس فيهم بعينيه الحجريتين ، فيفرض عليهم الصمت والرهبة ، يضع الرأس بين راحتيه ويقربه منهم ) كان موته تحت فروة رأسه ، ولم يدر قطع البراري يحمل قدره على رأسه ، ولم يدر . كان يحلم بالعودة رجلا عالي الرتبة ، تنتظره زوجة وثروة .
الحكواتي : ولم يسأل السؤال .
( تنفجر قهقة السياف كقهقة عفريت .. ثم يرمي الرأس للحكواتي ، فيلتقطه ويضعه بين يديه .. بينما يخرج السياف حاملا معه الديكور ) .
زبون 1 : أعوذ بالله ، هات شاي يا أبو محمد .
زبون 3 : وأنا أعطني فنجانا من القهوة .
الحكواتي : ( ينظر إلى الرأس ويقرأ ما هو مخطوط عليه ) يقول وزير بغداد في رسالته : " من الوزير محمد العبدلي إلى بين أيادي الملك منكتم .. نعلمكم أن الوقت حان , وفتح بغداد صار بالإمكان . فجهزوا جيوشكم حال وصول الرسالة إليكم وليكن هجومكم سرا ، وتحت ستر من الكتمان حتى تتم . المفاجأة بفتح بغداد . وإن وجدتم في الطريق عساكر تمشي إلينا ، فاقضوا عليها لأنها إمدادت للخليفة . ونحن هنا نتكفل بالعون وفتح الأبواب " ثم يضيف الوزير حاشية صغيرة .. ( وكي يظل الأمر سرا بيننا اقتل حامل الرسالة من غير إطالة ) ( لحظة ويكرر الحكواتي ) وكي يظل الأمر سرا بينا اقتل حامل الرسالة من غير إطالة . .
زبون 3 : الغدار اللئيم .
زبون 1 : هو الوزير إذن ..
زبون 2 : لعنة الله عليه . يغدر ولا يحفظ عهدا .
زبون 3 : بالله تكدر مزاجي .
الحكواتي : وكانت جيوش العجم تزحف كعاصفة هوجاء نحو بغداد . وفي طريقها خربت كل ما هو قائم . وكان الوزير يوالي الاتصال بقواده ، ويرتب معهم خططه وفجر يوم استفاق الناس في بغداد على الهول .. جيوش تهادم المدينة ، وطبول الحرب تدوي ، وهو لا يعرفون ما يجري . يهرولون مذعورين ، ويطلبون العون من العلى القدير ، وانفتحت بعض الأبواب واقتحمت الجيوش الأسواق . وأهل بغداد لا يعرفون ما يجري .. وعم البتار ، وطلع الغبار ، وقصرت الأعمار ، وسالت الدماء كالأنهار , وحسب الناس أنها القيامة . الجثث تتكدس ، والأعراض تهتك ، والنار تشتعل ، والبيوت تنهدم .. وارتفع الأنين من بغداد كأنه سحابة من الغبار أو الدخان .
( تتم رواية هذا المقطع ، على صوت خبب الخيول ، وصليل السيوف ، وصيحات الرعب بين حين وآخر يندفع بعض الذين نعرفهم ممن مثلوا عامة بغداد أو سواهم . الرجل الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع المرأة الأولى ، الثانية ، ياسر ، أحد الحراس .. كلهم يدخلون وهم يصرخون ، ويمثلون إيمائيا تلقي الطعنات ، أو هتك العرض ، المرأة الثانية تمثل عملية الهتك ، وتسقط ممزقة الثياب مفتوحة الساقين .. يتكومون بعضهم فوق بعض أمام الزبائن ، جثثا وأجسادا مهتوكة يغادر الحكواتي وهو يروي هذه المقاطع كرسيه ، ويجول بين الأجساد التي تتكدس ) .
الحكواتي : كان يوما مروعا لم تشهد بغداد مثله . عم الحزن ، وانتشر الموت كالهواء . لقي الكثيرون حتفهم دون أن يعلموا ما يجري حولهم ، وأصبحت الشوارع تسدها الجثث ، والخرائب ، وبقايا الجرحى . ذلك اليوم ... هبط الليل على بغداد مبكرا ومثقلا بالويل والأهوال .. وانتشر الظلام عميقا ثقيلا كأنه نهاية الزمان .
( يعم الصمت فترة مديدة ، ثم ينهض الرجل الرابع من بين القتلى ، ويقف قرب الحكواتي . بعد قليل تظهر زمرد في الطرف الآخر ، فيناولها الحكواتي رأس المملوك جابر .. تحتضنه ، وتقبله . وبحركات بطيئة كالطقوس ، يتقدم الثلاثة من الزبائن ، تتوسطهم زمرد التي تحمل الرأس بين يديها . ووراءهم كوم الجثث ... ) .
الجميع : ( معا إلى الزبائن والجمهور ).
من دليل بغداد العميق نحدثكم . من ليل الويل والموت والجثث نحدثكم . تقولون .. فخار يكسر بعضه .. ومن يتزوج أمنا نناديه عمنا .. لا أحد يستطيع أن يمنعكم من أن تقولوا ذلك . لكل واحد رأي وتقولون .. هذا رأينا لا أحد يستطيع أن يمنعكم من أن تقولوا هذا رأينا . لكن إذا التفتم يوما ، ووجدتم أنفسكم غرباء في بيوتكم . .
الرجل الرابع : إذا عضكم الجوع ووجدتم أنفسكم بلا بيوت . .
زمرد : إذا تدحرجت الرؤوس . واستقبلكم الموت على عتبة صبح كئيب .
المجموعة : إذا هبط عليكم ليل ثقيل وملئ بالويل لا تنسوا أنكم قلتم يوما . فخار يكسر بعضه .. ومن يتزوج أمنا نناديه عمنا من ليل بغداد العميق نحدثكم . من ليل الويل والموت والجثث نحدثكم .
( ينهض الممثلون المكدسون على الأرض ، ثم ينسحب الجميع بعد لحظات من الصمت . يأخذ العم مونس كتابه ، ويتأهب للخروج .. ) .