منذ نحو أربعين عاماً تقود حركة فتح ساحة العمل الوطني الفلسطيني، وقبل نحو عشرين عاماً أخذت حركة حماس تقاسمها النفوذ على هذه الساحة. وإذا ما علمنا أن الحركتين كلتاهما قد خرجتا من رحم الإخوان المسلمين (مع إدراكنا أن فتح اتجهت منذ مرحلة مبكرة اتجاهاً علمانياً)، فلعلنا ندرك إلى أي مدى كان تأثير الشيخ حسن البنا وفكره في العمل للقضية الفلسطينية.
لقد حقق البنا ومدرسته ثلاث نجاحات متميزة قلما تتحقق لشخص من الأشخاص أو حركة من الحركات:
الأول: نجح البنا في تقديم خطاب إسلامي يتسم إلى جانب كونه شاملاً بأنه بسيط سهل الفهم؛ وهو ما جعل الخطاب الإسلامي ينطلق من أَسْر الفئات المثقفة والنخبوية (التي ميزت خطابات الأفغاني وعبده ورشيد رضا...) إلى الفئات الشعبية وإلى جميع طبقات المجتمع.
نجح البنا وحركته في تجاوز الخصوصية الإقليمية التي كانت عادة ما تطبع حركات التجديد والإحياء الإسلامية التي سبقته أو عاصرته، فنجح في بناء حركة يتوزع أفرادها على معظم بلدان العالم الإسلامي وتجمعات المسلمين في المهجر وتقود العمل الإسلامي في عدد من البلدان
"الثاني: نجح البنا وحركته في تجاوز الخصوصية الإقليمية التي كانت عادة ما تطبع حركات التجديد والإحياء الإسلامية التي سبقته أو عاصرته، كالوهابية في الجزيرة العربية، والمهدية في السودان، والسنوسية في المغرب العربي، والنورسية في تركيا، والجماعة الإسلامية في القارة الهندية. ونجح البنا في بناء حركة يتوزع أفرادها على معظم بلدان العالم الإسلامي وتجمعات المسلمين في المهجر، وتقود العمل الإسلامي في عدد من البلدان.
الثالث: نجح البنا في تقديم حركة قابلة للحياة والتجدد والاستمرار عبر الأجيال، ولا تزال هذه الحركة تتمتع بالكثير من القوة والحيوية والانتشار (بعد أكثر من 57 عاماً على استشهاده)، على الرغم من كثرة الصعاب التي واجهتها ولا تزال تواجهها.
وتمر هذه الأيام الذكرى المئوية لولادة حسن البنا (ولد في أكتوبر/تشرين الأول 1906)، ورغم الجدل الكبير في الساحة السياسية والثقافية حول الشيخ البنا ومدرسته، فإن هذا المقال يحاول التركيز على الرؤية الفكرية للشيخ البنا المتعلقة بفلسطين.
أمة واحدة.. وطن واحد.. همٌ واحد
عندما أنشأ البنا جماعة الإخوان المسلمين في مارس/آذار 1928، كان الاهتمام المصري الرسمي وحتى الشعبي بقضية فلسطين ضئيلاً. وكان من نماذج السلوك الرسمي السلبي المصري أن رئيس وزراء مصر محمد محمود عندما سُئل عن سياسته حول قضية فلسطين أجاب في خبر نشرته جريدة الأهرام في 20 حزيران/يونيو 1938 أنه رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين.
وكان ذلك بينما كانت الثورة الكبرى مشتعلة على أشدها في فلسطين، وفي الوقت نفسه كان القنصل المصري في القدس لا يزال حتى 1938 يدعو الزعماء الصهاينة إلى حفلات الاستقبال في الذكرى السنوية لميلاد الملك وفي ذكرى اعتلائه العرش!!.
عدَ الشيخ البنا الوطن الإسلامي وطناً واحداً وأمة الإسلام أمة واحدة، فكان يقول "إن كل أرض يقال فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله، هي جزء من وطننا، له حرمته وقداسته، والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره".
البنا: حسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط في أي شبر أرضٍ يقطنه مسلم جريمة لا تُغتفر حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا
"وقد رأى الشيخ البنا أن الوطنية والعروبة والإسلام هي دوائر متكاملة غير متعارضة، وأن الشخص يسَعُهُ أن يعمل بكل إخلاص لمصلحة وطنه، ويعمل في الوقت نفسه لعالمه العربي ولعالمه الإسلامي.
وحسب البنا( كما جاء في رسائله) فإن المسلمين هم "أشد الناس إخلاصاً لأوطانهم، ولكن الفارق بين المسلمين وبين غيرهم من دعاة الوطنية المجردة أن أساس وطنية المسلمين العقيدة الإسلامية, كما أنهم لا يقفون بهذا الشعور عند حدودها، بل يُشركون معها فيه كل أرض إسلامية وكل وطنٍ إسلامي.. وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط في أي شبر أرضٍ يقطنه مسلم جريمة لا تُغتفر حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا".
فلسطين.. المكانة والمسؤولية
وعلى ذلك فإن اهتمام البنا بقضية فلسطين جاء في السياق الطبيعي لفهمه الإسلامي وفي صميم برنامج عمله، بل صار محكًّا لاختبار مصداقية وجدية فكره ودعوته.
ولذلك يؤكد البنا أن "فلسطين وطن لكل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام، وباعتبارها مهد الأنبياء، وباعتبارها مقر المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله". ويرى البنا أن "قضية فلسطين هي قضية كل مسلم".
ويربط طرح الإخوان بشكل مُحكم بين الإسلام وفلسطين، وهو طرح لا يقرر فقط المكانة الدينية لفلسطين أو الترابط العاطفي والتاريخي معها، ولكنه يعد التخاذل عن حمايتها ونصرتها تخاذلاً عن نصرة الإسلام نفسه، وذلك حسب ما جاء في جريدة "الإخوان المسلمون" 6/6/1936: "وما الشعب الفلسطيني إلا أخٌ لنا، فمن قعد عن فلسطين فقد قعد عن الله ورسوله، وظاهر على الإسلام، ومن أعانها وبذل لها وأمدها فقد انتصر لله ورسوله ودافع عن الإسلام".
ويتكرر هذا الربط المُحكم في موضع آخر عندما ينص الإخوان في مقال نشرته مجلة النذير في 25/3/1937 على أن القول: "مالي ولفلسطين في هذه الظروف" معناه مالي وللإسلام. ففلسطين ليست قضية وطن جغرافي بعينه، وإنما هي قضية الإسلام الذي تدينون به، فما فلسطين إلا قطعة مصابة من الجسد الإسلامي العام، ولبنة مزعزعة من لبنات بنيانه، فكل قطعة لا تتألم لألم فلسطين ليست من هذا الجسد، وكل لبنة لا تختل لاختلال فلسطين ليست من هذا البنيان".
مشروع النهضة ومشروع التحرير
"عبَر فكر البنا عن حالة نضج مبكرة ومتقدمة في جدلية العلاقة بين مشروع النهضة الإسلامية وبين تحرير فلسطين. فقد رأى أن حل قضية فلسطين سيكون بتلازم خطى الوحدة والجهاد
"يرى البنا وجوب الجهاد لتحرير فلسطين ونصرة أهلها، فقد ذكر في رسالة بعثها إلى السفير البريطاني في القاهرة ونشرتها النذير في 26/12/1938 أن "الإخوان سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلامياً عربياً حتى يرث الله الأرض ومن عليها". وقال في رسالة بعثها في مايو/أيار 1939 إلى رئيس وزراء مصر محمد محمود "إن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة، وهي لغة الثورة والقوة والدم".
وقد عبَر فكر البنا عن حالة نضج مبكرة ومتقدمة في جدلية العلاقة بين مشروع النهضة الإسلامية وبين تحرير فلسطين، حيث رأى أن حل قضية فلسطين سيكون بتلازم خطى الوحدة والجهاد.
فالمشروعان بالنسبة له يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنبٍ بحيث يسند أحدهما الآخر ويكمله، ولا ينبغي تعطيل مشروع في انتظار إنجاز الآخر.
إذ إن تحرير فلسطين يستدعي العمل على نهضة الأمة لتستكمل عناصر قوتها ووحدتها وبالتالي تكون مؤهلة للاستجابة لتحدي التحرير وهزيمة المشروع الصهيوني.
وكذلك فإن الجهاد في فلسطين ومقاومة العدو تمثل في حدّ ذاتها عنصراً هاماً في عملية استنهاض الأمة، وبث معاني الجهاد وكشف أعداء الأمة، وتوحيدها تجاه التحديات الكبرى. وهو الخط الفكري الذي تطرحه حماس.
ولذلك نجد في أدبيات الإخوان التي يعود بعضها إلى سنة 1936 أن العمل لقضية فلسطين لن تقف بركته عند تحقيق الوحدة العربية، بل إنها ستحقق أيضاً الوحدة الإسلامية.
ورأى البنا في مقال نشره في النذير في 27/7/1938 أن قضية فلسطين وثورتها كان لهما أثر كبير طيب على بلدان المسلمين، فعندما قامت الثورة الكبرى في فلسطين سنة 1936 أعادت الجهاد إلى الواقع مرة أخرى، وقام الفلسطينيون "يحسنون من جديد صناعة الموت".
وسرى هذا التيار "من نفس الفئة المجاهدة القليلة في جوار الحرم المقدس إلى شباب الإسلام والعرب" على حد تعبيره. وخاطب البنا أهل فلسطين "أيها الفلسطينيون لو لم يكن من نتائج ثورتكم إلا أن كشفتم غشاوات الذلة وحجب الاستسلام عن النفوس الإسلامية، وأرشدتم شعوب الإسلام إلى ما في صناعة الموت من لذة وجمال وروعة وربح لكنتم الفائزين".
"