فتاة من عنطفيس (2)
نظر الشيخ إلى الشاب وقال بأسف : اتق الله يا بني, أعجزت أن تراها مثل أختك؟!!
ملامحك تدل على آن فيك الخير إن شاء الله لكن ما هكذا تورد الإبل وليس هو ذا أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. كن حصيفاً وقدم حسن النية...
ما كان المسلم يوماً مستعجلاً في أحكامه متهجماً...
الدعوة إلى الله تحتاج إلى الأسلوب وليس الحماسة فقط لقد اتهمتها , وقسوت عليها...
كان الشاب أسرع في الرجوع إلى الحق من ارتداد البصر...
أغتم و تغيرت ملامحه... اعتراه حزنٌ و أسف حتى ظهر ذلك على محياه...
ندم على ما كان منه... نظر إلى الأمر من منظورٍ آخر فعرف الفرق...
سمع القصة فلمس فيها الصدق...
تكلم بحزنٍ بالغ: أستغفر الله و أتوب إليه...
للتوِ خرجت من موقف مماثل مع فتاة تتسول وحين أعرضت عنها حاولت استمالتي بطرق دنيئة و لما لم تجد فائدة ترجى, قدَحَت في أهل الالتزام و ذمتهم...
أعتذر منكِ أختي في الله, و الله ما كان مني إلا من غيرةٍ على محارم الله...
و ها أنا ذا أضع نفسي تحت عدل الشرع نادماً أسِفاً فاقتصي...
أجابته في عجل: سامحتك فقط أريد أن أذهب...
قال لها الشيخ: يا بنيتي, كيف ستستقلين الحافلة لوحدك إلى المدينة المجاورة؟!!
أجابته: لا أعلم ... لكن دعوني أذهب...
تدخل الشاب قائلاً: يا شيخ, هذا منزلنا... دقائق فقط, سأذهب و أحضر والدتي لنوصل الفتاة إلى منزلها, علَّ ذلك يكون شافعاً لي أمام الله على خطأي في حق هذه المسكينة...
انطلق الشاب دون أن ينتظر الرد على كلماته...
في هذه الأثناء وصل رجلٌ على دراجته النارية... رأى تجمهر الناس...
أوقف دراجته و ترجل منها وهو يسأل بعض المتجمهرين:
ما الذي يحدث هنا؟!!
أجابه أحدهم: أعتقد أنها هاربة من منزلها و قد أبلغ والدها السلطات عنها...
لم يبالي الرجل بل عاد إلى دراجته و هو يقول:
خذوها إلى قسم الشرطة و اجلدوها كثيراً حتى تنهار, هناك فقط ستعترف...
ركب دراجته النارية و غادر...
ازدادت الفتاة رعباً من كلمات الرجل...
كان الشيخ يحاول طمأنتها إلا إنها كانت مشغولة و بكل كيانها...
مشغولة بأعينٍ تخترق جسدها و ألسن تلوك شرفها و سمعتها...
قال رجل: إنها زعيمة عصابة كبيرة تخصصت في التسول و بيع الأجساد عند الحاجة...
وقد سمعت أن الشرطة تبحث عنها منذ فترة...
قال آخر: لا سمعت إنها فتاة لعوب و قد ترجلت من سيارة كانت تقلها مع عددٍ من الشبان...
قال رجل آخر بحسرة ظاهرة: لكنها صغيرة, هل يعقل أن فتاة بهذا الجمال يكون هذا شأنها؟
تكلم آخر يدعي معرفته بالحياة وقال:
في هذا الزمان, لا تخشى سوى من الفتيات الصغيرات,هم أساس البلاء... انظروا إليها...
بهذا الجسد تستطيع أن تفتن الكثيرين... انظروا إليها جيداً و احتاطوا من أمثالها...
انظروا إلى كفيها و هذا الجسد الصغير و الله كأنها ملاك بينما هي في الحقيقة شيطان رجيم..
انشغل الشيخ بتفريق عدداً من المتجمهرين بينما ظلت مجموعة تنسج حولها الأساطير...
قال رجل: حرامٌ أن يضيع هذا الجمال في السهرات الحمراء بدلاً مما يرضي الرحمن...
أين أهلها؟ أين والدها " الديوث" ألا يغار عليها؟
أما القشة التي قصفت ظهر البعير فهي كلمات قالها شاب طائش لصديقٍ له أكثر طيشاً...
قال: أليست جميلة؟!! يُقال أن ليلتها "بألف" قطعة نقدية...
أجابه الصديق" بنهم": على هذا الجسد, أنا مستعد أن أدفع بدل الألف عشرة و أحظى بليلة...
هنا انهارت الفتاة و أجهشت بالبكاء...
شعرت أن الأرض تميد بها و تأبى أن تستقر...
انهارت و هي تحاول أن تبتعد عن نظراتهم و تحمي جسدها الذي يُنهش...
كانت كورقٍ تعصف بها ريحٌ صرصرٍ من كل ناحية...
صاح رجل :انتبهوا إنها تحاول الهرب ...
جلست على الأرض و هي تبكي...
جلسَت قبل أن يلمسها أحدهم مدعياً انه يمنعها من الهرب...
واصل الرجل كلماته قائلاً: حاذروا , إن فرت فلن نستطيع الإمساك و...
قبل أن يكمل, توقفت سيارة ليس ببعيد عنهم...
نزل منها رجلٌ تتبعه امرأة و أقبلا تجاه الفتاة...
قال أحد المتجمعين بحماسة: انه رئيس العصابة و معه متسولة من عصابة المتسولين...
كان في السيارة صبية صغار يبكون بحرقة مما دفع رجل بأن يقول:
انهم يستخدمون حتى الصغار, انظروا إلى السيارة...
انهم يرغمون الأطفال على التسول وتابع قائلاً" صحيح أن من أمن العقاب أساء الأدب"...
رجلٌ آخر صفق كفاً بكف "محولقاً"... غادر المكان و هو يقول:
"لا خوف من الله و لا حيا من عباد الله"...
ما أن رأت الفتاة, الرجل المقبل و تتبعه المرأة حتى قامت تركض باتجاههما و لصوتها نشيج...
انطلق رجل و هو يحاول تطويقها من خلف ظهرها غير إن الشيخ دفعه بعيداً عنها...
صاحت الفتاة باكية: أبي, أبي... أدركني يا أبي أنجدني منهم...
دخل الأب حائلاً بين ابنته و بينهم...
أما الفتاة فقد احتضنت والدتها وقلبها يكاد أن ينفطر من شدة البكاء...
احتضنت الأم أبنتها و هي تبكي معها و تردد"حسبنا الله و نعم الوكيل, ماذا حدث"؟
اتجه الوالد إلى رجل الحسبة بمشاعر تبعث على الشفقة...
مشاعر متضاربة... خوف , غضب, حزن...
بادر قائلاً: خير يا شيخ؟ ماذا حدث؟!!
حاول الشيخ تهدئته فقال: خير أن شاء الله , لم يحدث إلا خيراً, هل أنت والدها؟!!
الأب: نعم , أنا والدها , ماذا حدث؟!!
قبل أن يجيب الشيخ و صل الشاب, ترجل و ترك والدته في السيارة...
تجاوز الفتاة و والدتها متجهاً إلى الشيخ ...
ما أن رأته الفتاة حتى صاحت: أبي... ادركني!!!
ارتمت في حضن أمها , التفت الأب فوجد أن ابنته قد غشي عليها...
رآها تتهاوى و والدتها تسندها, لم تصمد الوالدة فانهارتا معاً...
سقطت الوالدة أرضاً و قد سبق قلبها سقوط ابنتها...
ترى ماذا ينتظر الفتاة غير ذلك؟!!
و ماذا سيكون رد والدها على الشاب...
في الجزء القادم سنعرف ذلك و أكثر...
أختكم: ضوء...
...
أختكم: ضوء