رسالة أميركية إلى العالم العربي
كريغ شارني وستين كوك
أثارت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية استغراب الإندونيسيين في زيارة أخيرة لها إلى
جاكارتا، عندما تجاهلت الموضوعات التقليدية في العلاقات بين الدولتين ـ الإرهاب والأعمال،
والروابط العسكرية ـ ووعدت بمنح وعطايا لدعم برنامج تلفزيوني للأطفال اسمه: "شارع السمسم" (إفتح يا سمسم؟)
وقد قال بعض الصحافيين الأندونيسيين ساخرين إن البطل الجديد للعلاقات بين الأمتين هو لعبة
تمثل دباً أحمر اللون اسمه إلمو: "وهذا مستوردٌ أميركي تستطيع الولايات المتحدة أن تكون فخورة به"!
إن الأمر الجديد في صورة الولايات المتحدة في العالم الاسلامي، ليس أن الميول المعادية
للأميركيين ما تزال قوية ـ فهذه قبعة قديمة معروفة ـ بل إن الجديد الملحوظ هو تحسّن صورة
الولايات المتحدة لدى فئات واسعة في العالم الاسلامي.
فالادارة الأميركية والجمعيات المدنية الأميركية، تُعيد الإمساك بالديبلوماسية العامة في الشرق الأوسط وجنوب وجنوب شرق آسيا، محققة نتائج طيبة.ولا شك أن الجهود الرسمية ما
تزال مضحكة مقارنة بمؤسسات المجتمع المدني الأميركي. وألعاب الأطفال أمرٌ طيب؛ لكن
تصحيح الصورة لدى الجمهور تحتاج إلى جهود أكبر وأفعل بكثير. صحيحٌ أن الأميركيين
قرأوا وأطلّعوا على استطلاعات كثيرة وتقارير عن صعود العداء للولايات المتحدة منذ العام
2001 بيد أن هذا كله لا يحكي الواقع كلّه. فالمجموعات الضاربة التي أجرت بحوثاً لصالح
مجلس العلاقات الخارجية في مصر والمغرب وإندونيسيا؛ تشير تقاريرها إلى أن المسلمين
والعرب من بينهم، ما يزالون معجبين بالتعليم الأميركي والعلوم الأميركية والاقتصاد الأميركي والقوانين في الولايات المتحدة.
وقد تنبه الباحثون إلى ان المسلمين (والعرب) مهتمون بالمسائل التعليمية والتغيير السياسي
وقضايا الفساد وفُرص العمل ـ أكثر من اهتمامهم بالعراق وقضايا الضفة الغربية.
إن هذه الاستنتاجات تشكّل أساساً منتجاً لديبلوماسية عامة أكثر جدوى وفعالية. ان الرسالة
الأميركية للمسلمين ينبغي أن تركّز على شراكة الولايات المتحدة في مسائل التطوير
والديموقراطية. والواقع أنه منذ تولت كارين هيوز منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون
التطوير الدولي، والديبلوماسية العامة؛ فإن الرسالة الأميركية باتت أكثر تركيزاً على الاصلاح
والتغيير. رسالة كارين هيوز إلى جاكارتا تشدد ايضاً على الشراكة في التعليم والصحة، وهذا
تغيير بارزٌ آخر يلقى قبولاً حسناً لدى المثقفين الإندونيسيين.
وقد بدأت الوكالة الدولية الأميركية للتطوير برنامجاً يلفت الانتباه إلى الأعمال الجيدة في
اندونيسيا. وبعد الزلزال الأخير في اندونيسيا توالت الأنباء عن الأعمال الإنمائية الأميركية
للبلاد، أيضاً. والحق ان المساعدات الأميركية الكريمة بعد إعصار تسونامي المخرّب عام
2004 حوّلت الرأي العام الاندونيسي باتجاه تطوير مفاهيم جديدة حول الولايات المتحدة،
وطبائع علاقاتها بالمسلمين وعلاقات المسلمين بها. وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى أن 44 %
من المستطلعين مع الولايات المتحدة و41 % ضدّها، وهذا مختلف تماماً عن النسبة التي كانت
قد اشتهرت في استطلاع أُجري عام 2003 حيث كانت نسبة 85 % من الاندونيسيين ضد الولايات المتحدة.
ولقد شعر القطاع الخاص الأميركي ان نزعة العداء للولايات المتحدة مضرة بالأعمال ايضاً. وقد
حثّت كاترين هيوز الشركات الكبرى على الاسهام في مكافحة آثار الزلزال بباكستان،
واستطاعت جمع 100 مليون دولار من أكسون موبيل وماكدونالد، ومايكرو سوفت وشركات
أخرى استخدمت أو تبادلت المنافع مع الديبلوماسية من أجل تغيير الصورة، وبناء جسور في ما وراء البحار.
وبالطبع فان المقاربة الأميركية الجديدة للتواصل مع المسلمين تُواجه عدة عقبات. أولى تلك
العقبات غضب المسلمين للهوة بين المواقف النظرية الأميركية بشأن الديموقراطية وحقوق
الانسان وتحالفها مع الأنظمة الاستبداية في العالم الاسلامي. وهكذان فان كلام الحكومة
الأميركية عن الديموقراطية والاصلاح لن يؤتي ثمارة إلاّ اذا ترافق مع افعال وسياسات لدعم
الاصلاح والتغيير فعلاً لدى العرب والمسلمين. ثم إن هناك حدوداً لما تستطيع الديبلوماسية ان
تفعله أو تنجزه. فهناك مشكلات حقيقية بشأن غزو العراق وبشأن الحرب على الارهاب (والتي
تبدو لكثير من المسلمين كأنما هي حرب على الاسلام)؛ وهذه الأمور تؤثر في كيفية نظر المصريين والباكستانيين والمسلمين الآخرين إلى أميركا.
ومع ذلك كله فهناك ادلة على أن المساعي المتجددة للولايات المتحدة بدأت تؤتي ثمارها
بالتغيير في إدراك المسلمين لأميركا وسياساتها.
والنجاح الأكبر يحتاج إلى المزيد من حشد الطاقات العامة والخاصة، مع الحرص والحذر
والتفكير في وسائل ومنافذ أخرى. ولكي نصل إلى عقول المسلمين ومصالحهم يكون علينا أن
نضع أقدامنا على أرضيات أكثر صلابة؛ حتى لو بدا ذلك للوهلة الأولى خطراً أو غير مؤكد
النتائج.