سيناريوهات لضمان أغلبية مطلقة لليهود: هكذا ستُقسّــم الحكومة القادمة القدس
بقلم: نداف شرغاي
"هآرتس"
اللحظة التي سيُفضَّل فيها "ادراك المصالحة"، على "أشواق القلب"، كما صاغ ذلك رئيس الحكومة بالوكالة ايهود اولمرت، في القدس ايضا، ستحين بعد الانتخابات كما يبدو. عندما تحدث اولمرت بذلك، كان في الحقيقة يقصد الى مناطق "يهودا والسامرة" فقط، ولكن أصبح الساسة يستعدون في القدس، وفي الأساس من كديما والعمل، لتقسيم مجدد.
التعليل الرئيس الذي سيعرضونه على الجمهور الاسرائيلي سكاني. ولكن النسبة العددية في القدس بين اليهود والعرب لا تزال تميل لصالح اليهود (66 في المائة بإزاء 34 في المائة)، لكنهم يقصدون في العمل وفي "كديما" الى أن يعرضوا في الأساس ما كان وما سيكون: ما كان في 1967 بعد الحرب - 74 في المائة من اليهود بإزاء 26 في المائة من العرب، وما قد يكون بعد 14 سنة (سنة 2020)، على حسب التنبؤ السكاني المأخوذ به - تقلص الكثرة اليهودية الى 56 في المائة فقط.
لم يُكشف النقاب عن الخطط كشفا تاما، لكن الاصطلاح تغير. ايهود اولمرت وعمير بيرتس، وشاؤول موفاز وبنيامين بن اليعيزر ايضا، لم يعودوا يتحدثون عن القدس الموحدة التي لن تُقسم الى الأبد. حلّت محل الاصطلاح القديم كلمات اخرى: "قدس يهودية، وكبيرة وقوية". يندمج هذا الاصطلاح اندماجا حسنا في التصور السكاني الذي يقول: "ستكون حاجة الى تخطيط حدود القدس من جديد والى أن يقتطع من المدينة ومن اراضي المنطقة السيادية لدولة اسرائيل أحياء ومناطق يعيش فيها اليوم عشرات آلاف الفلسطينيين".
أصبحت مبادئ التقسيم قد صيغت في الماضي، في اتفاق التفاهمات بين يوسي بيلين وأبو مازن قبل 11 سنة، وفي اثناء المباحثات في صيف 2000، في مؤتمر كامب ديفيد، بمشاركة ايهود باراك، وبيل كلينتون وياسر عرفات.
تطمح اسرائيل الى ان تقتطع من مساحة المدينة 8 أحياء عربية على الأقل، يعيش فيها نحو 120 ألفا من العرب - وأن تُسلمها الى السلطة الفلسطينية - وأن تزيد بذلك ترسيخ الكثرة اليهودية، في مناطق المدينة الجديدة لتصل نحو 80 في المائة. بمقابلة ذلك تريد اسرائيل أن تضم الى القدس مناطق وأحياء يهودية توجد اليوم خارج المجال البلدي، وخارج الخط الاخضر، مثل معاليه ادوميم في الشرق، وجفعات زئيف في الشمال وجزء من غوش عتصيون في الجنوب، وأن تعيد بذلك الى القدس مناطق ستخسرها نتيجة اقتطاع الأحياء الفلسطينية بل أن تقوي الكثرة اليهودية.
أصبحت الخرائط مُعدة. وهي مثل سابقاتها خططها أفراد في معهد القدس لبحوث اسرائيل، وهو الذي يقف منذ عقدين وراء أكثر خطط الأدراج التي تتصل بالقدس ويجري حوارا متصلا فيها مع مستوى اتخاذ القرارات، السياسي والعسكري على السواء. عُرضت الصيغ السابقة في الماضي على الفلسطينيين ايضا، ومن اجل الحقيقة كان الجمهور الاسرائيلي ايضا، في اطار ايام بحث بادر اليها معهد القدس، يستطيع النظر فيها لكنها أثارت القليل من الاهتمام، ربما لأنها بدت آنذاك غير ذات صلة.
ثلاث خرائط
الحديث في واقع الأمر عن ثلاث خرائط رئيسة، تعرض ثلاثة بدائل. حسب الخريطة الاولى، التي تضمن كثرة يهودية تبلغ 83 في المائة، ستُخرج من المجال البلدي للمدينة أحياء في جنوب شرقي القدس، وفيها أم طوبا، وصور باهر، وعرب السواحرة الغربية، وكذلك مخيم اللاجئين عناتا وحيا شعفاط وبيت حنينا في الشمال. ستضم الى كتلة بيرنبالا والجيب الذي يُعرّف اليوم كمنطقة (ب) (منطقة تحت سيطرة أمنية اسرائيلية وادارية فلسطينية).
ستبقى الأحياء الشيخ جراح، ووادي الجوز، ورأس العامود، وسلوان، والعيسوية، والصوانة، والبلدة القديمة كلها وما حولها داخل القدس الاسرائيلية. الكثرة الكبيرة من هذه المنطقة كانت في الماضي جزءا من القدس الاردنية وكانت ايضا جزءا من القدس في فترة الانتداب البريطاني. سيجري على الأحياء العربية التي ستبقى داخل القدس تسوية خاصة وستتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي في السلطة، لكن السيادة والأمن سيبقيان في يد اسرائيل.
بمقابلة ذلك ستضم اسرائيل كتلة معاليه ادوميم وميشور ادوميم، وكذلك منطقة هيشوف أدام شمال شرقي نفيه يعقوب ومستوطنة جيلو جنوب القدس. وكل منطقة غوش عتصيون وبيتار عيليت، وكذلك المناطق جفعات زئيف، وجفعون الجديدة وجبل أدار وبيت حورون شمال غربي القدس.
في هذا البديل، الذي يُلمح الى المستوى السياسي، سيكون عدد السكان العرب في المجالات البلدية الاسرائيلية في القدس وما حولها نحو 110 آلاف نسمة، وهو نحو 40 في المائة من عدد العرب الذين يعيشون في القدس اليوم، وسيكون عدد السكان اليهود نحو 540 ألف نسمة. العرب الذين سيبقون داخل القدس سيحصلون على مواطنة اسرائيلية.
في البديل الثاني ستضم اسرائيل اليها نفس المناطق على التقريب، وستتخلى عن مناطق اخرى يسكنها العرب داخل القدس مثل حي العيسوية؛ وستُعطى البلدة القديمة وما حولها مكانة خاصة وستُعرّف أنها "منطقة مجال مقدس" يُطمس فيها على قضية السيادة وستُمنح الطوائف الدينية مكانة معززة. سيصبح مطار عطروت مطارا مشتركا اسرائيليا - فلسطينيا. عدد العرب الذي سيبقون داخل مجال السيادة الاسرائيلية في هذه الحالة سيكون 77 ألفا فقط. أما السكان اليهود فسيبلغون نحو 573 ألف نسمة، وسيتمتعون في هذا البديل بكثرة كبيرة تبلغ نحو 88 في المائة.
ويوجد بديل آخر، يسمى "القدس الموسعة تحت سيادة اسرائيل"، لا يقتطع من القدس أحياء عربية، لكنه يوسع جدا المناطق التي تسودها اسرائيل. المنطقة الجديدة متصلة اتصالا جغرافيا بالقدس، أو بمناطق اخرى داخل اسرائيل، وسيظل يسكن مدينة القدس نحو 220 ألف عربي. إن ضم المناطق الى سيادة اسرائيل ما عدا منطقة الزعيم، تم كله من اراضي المنطقة (ج) (أي منطقة تسيطر اسرائيل عليها سيطرة تامة)، ولن يتغير تقريبا تقسيم المنطقة على حسب الاتفاقات المرحلية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.
المستوطنات ومجالات سيادتها التي ستكون عليها السيادة الاسرائيلية بحسب هذا الاقتراح هي كتلة معاليه ادوميم الموسعة، وكتلة جفعات زئيف، وبيت حورون، وجبل أدار. ومن الجنوب جيلو، وبيتار العليا وغوش عتصيون. لن تتغير نسبة السكان اليهود الى السكان العرب بحسب هذا الاقتراح، (71 في المائة و29 في المائة، على الترتيب)، وربما تكون لهذا السبب أقل جاذبية للمستوى السياسي، وستكون صعبة التنفيذ من ناحية دولية ايضا.
أمخاطرة أم احتمال؟
بحسب ما يرى معهد القدس على الأقل، تقوم البدائل كلها على فرض أنه ستسود في مجال القدس الموسعة "ظروف سلام وانفتاح تام" بين المناطق التي ستكون من مسؤولية أو سيادة السلطة الفلسطينية، وبين مدينة القدس والمناطق حولها التي ستكون تحت سيادة اسرائيل؛ وأنه ستكون حركة حرة للناس، والبضائع والاموال في المنطقة كلها، وسيكون تعاون وتنسيق تامان في موضوعات مثل اجهزة التخطيط المادي التي تشتمل على: البنى التحتية، وشق الشوارع، وعلاج المجاري، والموارد المائية وموضوعات تتصل بالحفاظ على البيئة.
بمقابلة ذلك، شروط المستوى السياسي لتحقيق هذه البدائل اليوم، ليست واضحة، وليس معلوما هل "ظروف السلام والانفتاح التام"، هي شروط لا حيدة عنها لتحقيق هذا البديل، أم أنه يوجد هنا محل للسياسة أحادية الجانب ايضا.
"الربح" الذي ستحرزه اسرائيل من التقسيم الجديد هو التحسين السكاني للتوازن بين اليهود والعرب، ولكن بمنزلة "الخسائر" والنقد العام والسياسي الذي قد يثور نتيجة كسر حظر "القدس الكاملة والموحدة" توجد عدة مواد ثقيلة الوزن، أولها المسألة الأمنية.
انهم في الجيش الاسرائيلي غير سعداء بخطط تقسيم المدينة من جديد. "الحديث عن مخاطرة أمنية عظيمة لسكان القدس"، يقول مسؤول رفيع في هيئة القيادة العامة: "المدينة اليوم هي فسيفساء مدمجة مؤتلفة من الأحياء اليهودية والعربية، التقسيم من جديد كرسم الحدود، والأسوار والجدران، قد يضم الى حلقة العداء عشرات آلاف الفلسطينيين، الذين يتمتعون اليوم باحسانات مادية مختلفة، مثل رسوم التأمين الوطني، والتأمين الصحي، والحياة الكريمة والتنقل الحر بين شرقي المدينة وغربيها.
"هذا التقسيم المجدد خطر ايضا لان هذه ليست "حدودا يمكن الدفاع عنها"، ولان اسرائيل تتخلى عن حريتها غير المحدودة في كل ما يتعلق بالاستخبارات الوقائية من عمليات تفجيرية داخل أحياء تُماس الأحياء اليهودية. أصبحت لدينا تجربة اطلاق نار من سلاح خفيف على حي جيلو وحي أبو غنيم، وفي حالة التقسيم المجدد قد نتبين أن أحياء اخرى في القدس، مثل راموت، وأرمون هنتسيف، والتلة الفرنسية وغيرها، ستتعرض لاطلاق نار كهذا، بل لقذائف ارضية ايضا.
يتعلق الكثير كما يبدو بشكل التقسيم. عندما كانت تُلح خطة كلينتون واقتُرح تقسيم تعسفي بين السكان العرب والسكان اليهود على امتداد القطاع في القدس، عارض خبراء معهد القدس الخطة وآثارها. لقد صوروا اضطرابا شاملا تخطيطيا وبلديا، سيجعل حياة السكان في الجانبين جحيما. وقدروا ايضا انه بحسب التقسيم وفق مخطط كلينتون ستكون هناك حاجة الى اعداد عشرات المعابر بين غربي المدينة وشرقيها، وهو شيء سيبتذل حياة السكان أكثر.
إن التقسيم المفروض، الأحادي الجانب، والمزدحم بالجدران والأسوار والعوائق، التي ستمنع الانتقال الحر بين جزأي المدينة، قد يثير اذا معارضة واسعة. أما التقسيم المتفق عليه، الذي يحافظ على التنقل الحر للبضائع والناس بين جزأي المدينة، في حين تعمل على التوازي أنظمة تنسيق مهمتها الحفاظ على التواصل في المجالات البلدية والمدينية بين المناطق التي فُصل بعضها عن بعض، قد يثير معارضة أقل. إن شرك خطط التقسيم المجدد، في هذه المرحلة على الأقل، هو أن الاتفاق يبدو مهمة غير ممكنة في هذه اللحظة، في حين أن التقسيم أحادي الجانب، له مساوئ كثيرة، حتى في نظر من يؤيد التقسيم تأييدا مبدئيا.