تنظر من خلف ذلك الزجاج .. مقيدة بسريرها الأبيض ملتحفة بوشاح قرمزي اللون .. وتحيط بها الأجهزة المختلفة .. خوفا من تدني حالتها في أي لحظة .. أفاقت منذ برهة ... أحست أن الكون حولها يدور .. كل شي بالغرفة يلتف حولها .. ولا ترى شيئا ثابتا .. فقالت في نفسها : ربما كان ذلك من تأثير المخدر ... فحاولت النهوض والجلوس على السرير لم تستطع أن تتحرك .. إلى هذه الدرجة قد قربت من النهاية .. إلى هذه الدرجة هي متعبة .. إلى هذه الدرجة تآكلت خلايا جسدها وتهاوت فلم تعد تستطع الثبات لوحدها .. ولم تعد تستطيع النهوض إلا بالمساعدة . فظلت مستلقية على سريرها الأبيض .. الذي أصبح قدرها المحتوم في هذا الوقت .
بعد برهة من الوقت مدت يدها وكبست على مفتاح يوجد في سريرها لترفع السرير .. تريد الجلوس ، فأن لم تستطع ذلك لوحدها فلابد لها من استخدام هذه الطريقة التي سأمت منها في كل مرة تحتاج إلى النهوض بعد أن تفيق من الكابوس الذي تعيشه منذ شهرين .
استمدت طاقتها الآن وقامت تحلق ببصرها من خلف زجاج النافذة ... تنظر .. تجاهد النظر .. خلف تلك الأبنية ... ربما تراه ... هناك جالسا ... حيث كانا يجلسان معا ... يتحدثان .. ويتسامران .. ويضحكان ... ويستزيدان بالعشق .. تراه حيث كانت تنتظره دائما ... تنتظر دخوله عليها .. وهو محمل بالحب والأشواق لها ... تنهض إليه تحاول أن تتقرب منه ... وتزداد رغبتها عند مروره عنها متعمدا وكأنه لا يراها ... تهرب إليه راجية أن يراها .. وهي تتمايل حوله .. وتتلاعب بقلبه العاشق لها .. والمتيم بحبها .. كانت حياتها في كل مرة تستزيد بعشقها ... وتمطر حنينا بهما .. ترى المنزل هناك ... وقد هدت جدرانه تلك القلوب العاشقة المتيمة ... وترى زواياه شاهدة على حبهما ... وترى في ركن من الأركان عيون ترتقب تلك القلوب التي تفيض في كل مرة بمشاعر الحب والأشواق الفياضة ...
عادت ببصرها عندما شعرت بدموعها تلامس وجنيها .. لقد رحلت تلك الذكريات ... لقد ذهب ذلك الحب .. وإن لم يرحل في تلك اللحظات وفي هذا الوقت سيرحل وينتهي بعد برهة من الزمن .. عندما تتوارى خلف التراب .. وسيحدث ذلك قريبا ... كم ستعيش هي لا تعلم .. ذلك من الله .. ولكن خلايا جسدها رحلت .. و ما تزال ترحل ... وتنتهي .. وتتهاوى ... لقد هد المرض جسدها .. وجعله ينهار ... ولكنه لم يقدر على قلبها .... فما زال ينبض بحبه ... ومازال يعشقه ...
عادت تنظر خلف الزجاج ... تغوص بنظرها إلى حيث كان آخر لقاء لها به .. تريد أن ترى ملامح وجهه مرة أخرى ... تتمنى لو تمسك بقلم وترسمه الآن ... بقلبها .. وبنبض فؤادها .. ترسم كل ملاحمه في جسدها ... حتى عندما يفنى ذلك الجسد يبقى هو ذكرى ... ليتغنى الكل بمشاعر قلبيها ... تجاهد النظر ... خلف الأبنية ... ترى نفسها وهي تنتظر بجانب نار المدفأة ... لقد كان الشتاء قارصا .. ولكنها لا تشعر به ... لأن حرارة فؤادها تشتعل أكثر ... والنار التي بقلبها تحرق كل خلاياها ... ماذا حل به ؟ لم أصبح لا يهتم بها ؟ لم أصبح يعبس كثيرا عندما يكون معها ؟ وما قصة تلك الورود التي تأتيه كهدايا كل يوم ؟ وما قصة تلك المرأة التي يراها كل وقت وكل حين ؟ وما قصة تلك الاتصالات الخفيفة ؟ هل دخلت بحياته أخرى ، وجعلته ينساها ؟
إنها نار الغيرة التي أصبحت تلازمها ... فكيف ستعيش إذا ما حلت امرأة أخرى بقلبه ؟ الساعة تدق مع نبضات قلبها المشتعلة ... تراه أين يكون الآن ؟ ومع من يتواجد ؟ سمعت صوت المفتاح وهو يدور في قفل الباب .. فدارت بها الدنيا .. ولم تتمالك نفسها ... تلك الحالة كانت تلازمها في الآونة الأخيرة . ومرات كانت تؤدي إلى غيابها عن الوعي .. أمسكت بشيء ليساعدها على استعادة توازنها ... حتى لا يراها هكذا .. ودخل إلى البيت .. وما تزال تنظر إلى ذلك الباب الذي دخل منه .. وتنظر إلى طيفه العبوس ... حيث بقى هناك .. ولكنه هو كان يجلس مقابلا لها .. ونظراته تنطق بما يريد قبل شفتاه ... تتحاشى النظر إليه .. خوفا من أن ترى كلماته ... وتنهار ... تريد الصمود ... ولكن إلى متى ؟؟ ستصمد .. وهو ينساها ... ووجوده معها أصبحت تراه مجبرا عليه .. نطق أخيرا .. وقالها .. قررت الانفصا.... ولكنه لم يكمل كلمته .. رآها تنهار أمامه .. ويسقط جسدها ... وتخور قواها ... لقد غابت عن الوعي ..
استيقظت بعدها وهي على هذا السرير التي أصبحت ترافقه دائما ... وهي تعالج من هذا المرض الخبيث الذي أصبح معششا في جسدها .. إنها لا تقاومه .. بل أصبحت مستسلمة له .. تريد الخلاص من هذه الدنيا .. حتى لا تعود لتلك اللحظات من جديد ...
الدموع أجبرتها على العودة إلى واقعها الحالي .. فقد غطت وجنتيها وحتى غطاء السرير .. مدت يدها لتتناول المنديل .. حتى تمحي آثار الدموع .. فإذا بها تراه نائما على إحدى الكراسي بجانبها .. ينتظر أن تصحو بعد تلك الجرعة .. ولكن التعب أجبره على أن يغلق عيناه وينام ... وقعت العلبة على الأرض مما أحدثت ضجيجا أفاق هو عليه .. جاء إليها متلهفا ونطق قلبه قبل شفتاه .. هل أنت بخير يا حبيبتي ؟؟
بقلم
غــرور