الجزء الثاني
استقلوا سياراتهم وأنطلقوا فرحين بهذا الرحلة الجميلة...
ركب الفتيات سيارة صالح والد سماح أما الأولاد فتوزعوا على السيارتين الباقيتين...
انطلقوا في طريق العودة فرحين برحلتهم...
بعد نصف ساعة تقريباً قالت إحدى الفتيات: أين سماح؟ ليتها كانت هنا معنا...
تلفتت والدة سماح قبل أن تسأل الوالد: الم تكن سماح معك يا صالح؟!!
أجاب: كانت نائمة عندي و حين استيقظت عادت إليكِ...
سألت الأم : لكن مع من ركبت؟
أجاب الأب : ربما مع سعيد أو سالم...
لاحظ الأب قلق زوجته فطمئنها قائلاً: لابد أن تكون في سيارة سعيد فأبنائه يصرون على أن تكون معهم...
لم يخفف ذلك من قلق الأم شيئاً لذلك توقف في أقرب محطة للوقود و نظراً لعدم وجود طريقة للاتصال أنتظر حضور سالم و سعيد...
ما هي إلا لحظات حتى لاحت سيارة سعيد...
أشار الأب لسعيد فوقف غير بعيد عنهم...اتجه إليه الأب في ثقة مصطنعة...
قال وهو ينظر داخل السيارة: أين سماح؟!!
أجاب سعيد باستغراب: ليست معنا, ربما كانت في سيارة سالم...
هنا تعلق الخوف بأطراف الأمل و لم يبقى إلا أن تكون سماح في سيارة سالم...
عاد الوالد إلى الأم يطمئنها بأن سماح مع سالم رغم أن قلبه ينبئه بغير ذلك...
تأخر سالم و كانت الثانية بالنسبة لهم دهراً...
نزل سعيد من سيارته و انضم إلى والد سماح يوهمه بأنها مع سالم رغم شعوره المطلق بالخوف...
أخيراً وصل سالم, انتبه لوقوفهم فتوقف...
انطلق الأب إليه مسرعاً, يسأل من بعيد
هل سماح معكم؟!!
لم يسمع سالم سؤاله فطلب منه الإعادة...
أعاد السؤال بصوتٍ عالٍ و كل ذرة في كيانه تتمنى أن تكون الإجابة نعم...
أجاب سالم و هو يهز رأسه طارحاً عليهم سؤالاً آخر:
لا!!! أليست معكم؟!!
قرأ والد سماح الإجابة حتى قبل أن يسمعها...
هنا أصاب الخوف الأمل في مقتل...
ركض والد سماح عائداً إلى سيارته و استقلها...
سألته الأم في جزع, أليست معهم؟!!
أجاب الأب : لا.., و أدار مقود سيارته عائداً إلى حيث كانوا...
أخذت الأم تصيح و تولول و هو يحاول تهدئتها...
شرح سعيد الموقف لسالم و أن سماح ليست معهم و لابد أنهم نسوها...
انطلق الجميع و الجزع يملأ قلوبهم فلسماح محبة خاصة...
لم تكن المسافة قصيرة و قد زادها الموقف بعداً أكثر...
أخيراً وصلوا إلى حيث كانوا...أضائوا أنوار سياراتهم لكن لا أثر لسماح...
نضب سعيد أنوار كبيرة فوق سيارته تستخدم للقيادة في الصحراء فأضاءت منطقة كبيرة...
نزلوا يبحثون عنها في كل الاتجاهات...
وجد الأب حذائها الصغير فازداد خوفه...
تخيل ابنته و هي تدفع الظلام و البرد و الخوف وحيدة...
بكى في صمت و سالت دموعه و هو يركض و ينادي " سماح ,سماح"...
اتجهوا إلى الصخرة الكبيرة, فاكبر الظن أن تكون نائمة هناك...
جوار الصخرة... و جدوا قبعتها الصوفية ملقاة على الرمل...
آثار أقدامها مختلطة بآثار أخرى... مختلطة آثار شيطانية...
آثار شريرة... ليست آثار بشر بل آثار حيوان جائع...
سقطت الوالد على ركبتيه و اندفع أخواه خلف الجبل...
حمل الوالد القبعة و هو يتبعهم زاحفاً...
و قبل أن يصل, عادا يركضون في هلع...
انطلق سعيد إلى سيارته و أحضر مسدسه...
أما سالم فقد اتجه إلى قطعة خشب كبيرة...
لا يعي الوالد ما يحدث لكنه يعرف أنها مأساة...
على صوت الأعيرة النارية التي أطلقها سعيد لمح الأب ذئباً يجري مبتعداً
تذكر شيئاً واحداً...
تذكر مقولة سعيد " إذا رأيت الذئب فمؤكد انه لم يبقي على أي أرنب"...
وصل الأب زاحفاً و ألقى نظرة خلف الصخرة...
رأى قميصاً ابيضاً و قد طبعت عليه صورة أرنب...
وجد أشلاءً قد مزقها الذئب...
افترسها الذئب و لم يترك إلا بقاياها...
بقايا طفلة في الخامسة من عمرها...
صاح الأب "آآآآآآآآآآه" و سقط على وجهه ينظر...
تخيلها تركض رعباً كطيرٍ جريح...
تخيلها تدافع
الظلام
و الخوف
و البرد
و أنياب الذئب...
قصة مؤلمة بحق , لكن....
هل أزيدكم مما يفطر القلوب أكثر؟!!
تخيلوها في ذاك المكان الموحش...
تخيلوا الخوف الذي سكنها حين أبتعد الأهل و خيم الظلام...
تخيلوها تبكي بكاء طفلة وحيدة في ليلة مظلمة باردة موحشة...
الآن تخيلوا الذئب بكل ما نسمع عنه من أساطير يقف أمامها...
تخيلوا الهلع الذي سكنها وهي تحاول الهرب و دموعها تحجب عنها الرؤية...
تخيلوه و قد أنقض عليها "طفلة" تُغرس فيها أنياب ذئب يهابه أعتا الرجال...
ليس هذا المؤلم بحق...
ليس هذا ما يذبح القلب...
لم نصل للعذاب الحقيقي بعد...
لم نصل حتى لنصف المأساة!!!
أتدرون أين الألم المتجرد من كل شيء سوى من الألم؟!!
أتودون معرفة ما يُبكي الأرواح ...
الألم القاتل في هذه القصة!!!!!
انها قصة (حقيقية) وقد حصلت في بر الكويت...
عشتها وكأنني حاضرة و حاولت أن أصيغها بخيالي المتواضع...
فتخيلت سماح و شعرت ببرودة الجو بل شممت حتى رائحة الذئب...
أيها الآباء!!!
لماذا تتذكرون حتى أباريق الشاي لكنكم تنسون فلذات أكبادكم؟
تحية مبللة بالدمع و العبرات...
أختكم: ضوء
أعتذر للجميع عن أثارة أحزانهم لكن حجم الألم على قدر المأساة...