رسالة
من أرض السلام
ندى هي إحدى الفتيات الآتي يعشن في قرية صغيرة ضمن أسرة سعيدة مؤلفة من أب وأم وأخ صغير لم يتجاوز السنتين والنصف, كانت حياة ندى حياة دافئة سعيدة.
كل يوم كانت تذهب إلى مدرستها القريبة و تعود مساءً إلى منزلها, كما أنها كانت تلهوا مع صديقاتها كل مساء و تحضر اجتماع العائلة اليومي على مائدة الطعام.
كانت حياة ندى حياة روتينية مكررة لكنها حياة ممتعة بالنسبة لها.
إلى أن حدث ما حدث في ذلك اليوم!!!
لقد استيقظت ندى في صباح أحد الأيام على صوت صياح والدتها و هي تنادي باسمها....
هرعت ندى إلى والدتها مذعورة وحينما وصلت إلى أمها رأت مجموعة من الرجال مجتمعين حول والدها ووالدتها يتناقشون وأصواتهم تعلو و تعلو باستمرار, وسمعت صوت أخيها الصغير يبكي ويصيح بين يدي والدتها وهي تحاول تهدئته لكن دون جدوى....
سارت ندى باتجاه والدتها لتستطلع الأمر فرأت عيناها تدمعان.
لم تعلم ندى سبب بكاء والدتها إلا بعد أن سمعت والدها وهو يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله...... إن لله و إن إليه راجعون).
فهمت ندى من قول والدها أن أحدهم قد أصابه مكروه أحدهم قد توفي لكن من ؟؟؟
أخذت ندى تستمع إلى حوار الزوار فسمعتهم يتحدثون حول دبابات دخلت المدينة و جنود مسلحين وبيوت تدمر ورجال يقتلون ثم سمعتهم يتحدثون عن بيت عائلة هاني أنه قد دمر و كل ما فيه قد أصبح دمار وأن العائلة جميعها قد قضت نحبها تحت الأنقاض..... ثم عم الصمت برهة من الزمن.
أخذت الرهبة قلب ندى فعائلة هاني هي عائلة صديقتها المقربة قد كانت البارحة تلعب معها و تقص القصص....لماذا؟؟؟...
ما ذنبها؟؟...كانت تريد أن تكون مهندسة معمارية في المستقبل.
تلبدت غيوم الحزن في قلب ندى و تغرغرت الدمعة في عينيها و أخذت تصرخ...هذا ظلم...هذا ظلم.
سمعتها والدتها و هي تصرخ و رأت دموعها المنهمرة على خديها فضمتها إليها و هدأتها و قالت لها: ( إن هذا قضاء الله و قدره...إن صديقتك الآن في الجنة تسبح كالطيور) .
كانت كلمات الوالدة كالبلسم في قلب ندى و لكن هذا لم يمنع الدموع من الانهمار.
ولكن لماذا؟؟؟.
هذا سؤال لم تستطع ندى نفسها الإجابة عنه.
و مر على ذلك الحادث أسبوع كامل و استمر توافد جنود الاحتلال على القرية في تزايد, والقتل والتدمير يتعاظم مع مرور الوقت "ولكن إلى متى".
صرخت ندى بكل قوتها...
ولكن صوتها المرتفع لم يكد يسمع مع دوي الانفجارات في ذلك الليل الحالك.
هرعت والدة ندى حاملة الطفل الصغير بين يديها إلى الباب و أخذت تنادي على ندى ووالدها ليتوجهوا إلى الملجأ حاملين معهم بعض المؤونة و كشافاً و بطاريات و ماء...
و لكن و هم في الطريق إلى الملجأ لاحظت الوالدة أن الصغير ليس على ما يرام فهو متعب و درجة حرارته مرتفعة و نظراته زائغة.
فنظرت إليها ندى في اندهاش لكن أخاها لم يكن ليتحمل المزيد بعد من الألم و الجوع و الخوف...التفتت ندى إلى والدها لتخبره بوضع أخيها فحمل الوالد الطفل و هرع به إلى المشفى القريب من الملجأ.
وبعد سير متقطع في جنح الظلام و بين الزحام ظهرت أنوار من بعيد توصل إلى عالم جديد فيه الحياة و الموت فيه السعادة و الأسى, عالم تختفي فيه الابتسامة لا مكان فيه للكبرياء.
دخلت العائلة المشفى فاستقبلهم الطبيب بابتسامة صفراء, و نظر إلى الطفل الصغير وسأل الوالدان عن حالته وهما يجيبانه عن كل سؤال يسأله.
حمل الطبيب الطفل من بين يدي والديه و أخذه إلى غرفة صغيرة ليجري له بعض التحاليل و الطفل يبكي بحرقة و الوالدان متسمران في مقعديهما و ندى الصغيرة تروح وتجيء يمنة ويسرى... و بعد مدة من الزمن خرج الطبيب من الغرفة و توجه إلى الوالدان و شرح لهما خطورة حالة الطفل و قال لهما: (لا أدري إن كانت ستكتب له النجاة...العلم عند الله).
أخذ الوالدان يحاولون أن يفهموا السبب و يستفسروا من الطبيب فقال لهم الطبيب: (إن الغبار الذي في جو هذه المدينة ملوث مما أدى إلى إصابة الطفل لضعف مناعته و بنيته... و هذه الحالة تمر علي دائما في هذا الوضع الراهن).
عم السكوت أرجاء المكان... ولكن الطبيب ختم كلامه و انصرف إلى حيت استلقى الطفل الصغير... إلى غرفة الإنعاش.
و مرت الساعات تلوى الساعات و العائلة كلها منتظرة وصوت المدافع في الخارج تقطع سكون الشروق الحزين.....
و بعد برهة من الزمن دق جرس غرفة الإنعاش حيث الطفل الصغير, أخذت ندى بيد والدتها المتوترة و هي تسمع صوت أخيها الصغير يبكي والممرضات يتوافدن إليه....
و فجأة سكت الطفل....
أخذت ندى ترتجف و تبكي, و بعد عدة دقائق_مرت وكأنها ساعات_ خرج الطبيب وعلى وجهه ملامح لا تسر الناظر إليها و قال بكلمات متقطعة: (احتسبوا ابنكم...إن لله و إن إليه راجعون).
تجمد الدم في عروق الوالدان و صرخت ندى بصوت مكلوم ينم عن حزنها المتفجر داخلها.
عندما رأت الوالدة ابنتها على تلك الحالة لم تتمالك نفسها_رغم رباطة جأشها_ من أن تنفجر بالبكاء... بكاء مر... تبكي ابنها الصغير, و الوالد يحاول أن يهدئها و يقول لها: (توكلي على الله... حسبي الله و نعم الوكيل).
لم يكد الوالد يكمل جملته حتى دوت صافرات الإنذار.. تعلم بقصف جديد على المدينة. أمسك الأب بيد ندى و ركض مع أمها إلى الملجأ بينما تمدد جسد الطفل الصغير على سرير المشفى بانتظار يوم دفنه, لترتقي روحه إلى السماء للقاء بارئها.
و في الملجأ كانت عائلة ندى تجلس في سكون قد خطفت البسمة من وجوههم فهاهي الأحزان تنكب عليهم الواحدة تلوى الأخرى.
و ظلت ندى تبكي بين يدي أمها الحنون, ووالدتها تهدئ روعها و تخفف عنها ولكن من ذا الذي يستطيع التخفيف عن تلك الفتاة.
بعد انتهاء القصف خرجت العائلات من الملاجئ متجهين إلى ما تبقى من منازلهم...و في طريق ندى إلى منزلها رأت ركاما حجريا مدمرا لا يعرف منه شيء لكنها _و بعد أن تأملته جيدا_ تعرفت عليه...إنه منزلها الصغير... ذلك المنزل الذي عاشت فيه.
و من بين الركام رأت دميتها الصغيرة ممزقة.
صرخت ندى بصوت عالي: -
ما هذا الظلم العظيم
لقد سرق الأعداء مني صديقتي قد كنا نلعب دائما و نتحدث عن أمانينا
لقد سرق الأعداء مني أخي وما ذنبه ؟؟ طفل لم يتجاوز السنتين
لقد سرق الأعداء مني دميتي الحلوة التي أهدتني إياها جدتي الحنون لقد سرق الأعداء مني حلمي وأملي الكبير بالحياة وذكرياتي السعيدة لقد سرق الأعداء مني قريتي الصغيرة التي عشت فيها أيام حياتي لقد سرقوا كل شيء. ......كل شيء........كل شيء..................
هاهي ذا ندى الصغيرة ترحل عن قريتها العزيزة إلى أل لا مكان.... إلى بر الأمان.... الذي ربما طال البحث عنه ولكن دون جدوى. رحلت ولكن قلبها لم يرحل. ظل مكلوما... يبكي دموعا... يمتلئ حقدا على من سلبها حقها في السعادة...
رحلت عن قريتها الصغيرة لكن ليس للأبد, فقد عاهدت نفسها على العودة في القريب العاجل.
ومرت السنين على تلك الحادثة المأساوية التي زهقت من خلالها أرواح عديدة.
وعادت ندى بعد خمسة عشر عاماً إلى قريتها كما وعدت, ولكنها عادت شابة فتية تحمل في قلبها الشوق و الحنين.
عادت لحمل لواء التحرير لتحيى و أسرتها و أبنائها في قريتها من جديد.
عادت ولكن هذه المرة للأبد.
عادت لتموت على تراب أرضها مدافعة عن ثراه الطاهر.....
هذه قصة فتاة عاشت حياة التشرد والتهجير و هي قصة من واقع الحياة وليست بعيد عنها.
قصة تحاكي عالمنا الواسع ودمار البشرية فيه...تحاول إيصال فكرة واضحة للعالم...نقول فيها لا للحرب...لا للدمار... لا لقتل الأطفال و الرجال والنساء...لا لسفك دماء الأحرار...لا لجرح الشيوخ الكبار...لا لهمر دموع الأطهار.
هذه القرية كمثيلاتها من المدن في فلسطين والشيشان والعراق وأفغانستان...وغيرها...وغيرها...
وهذه الفتاة كغيرها من الفتيات والفتيان والشابات والشبان المحرومون في كل مكان.
أم سنقول للاحتلال توقف لا.....
نحن لا نعلم مصير هؤلاء.... فهم نفسهم أيضا لا يعلمون.
ولكننا ندعو لهم بالنصر و التحرر في القريب.
بأمل كبير من كل البشر في كل مكان.