الدعاء
جعل الله تعالى من الدعاء عبادة وقربى، وأمر عباده بالتوجه إليه لينالوا عنده منزلة رفيعة ، أمر بالدعاء وجعله وسيلة الرجاء، فجميع الخلق يفزعون في حوائجهم إليه، ويعتمدون عند الحوادث والكوارث عليه.
وحقيقة الدعاء: هو إظهار الافتقار لله تعالى، والتبرؤ من الحَوْل والقوة، واستشعار الذلة البشرية، كما أن فيه معنى الثناء على الله، واعتراف العبد بجود وكرم مولاه.
سألوا إبراهيم بن أدهم: لماذا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟
قال: عرفتم حق الله ولم تقوموا به،
قلتم نحب رسول الله ولم تعملوا بسنته،
قرأتم القرآن ولم تعملوا بما فيه،
قال لكم ربكم إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا فواطئتموه على المعاصي،
وإذا قمتم من نومكم فرشتم عيوب الناس أمامكم ورميتم عيوبكم خلف ظهوركم فأنى يستجاب لكم.
هل الدعاء عبادة؟
يقول تعالى: " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"(1)
غافر:60
هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه انه ندب عباده إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة.. يقول الشاعر:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
وعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال
أربع خصال واحدة منهن لي وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة بينك وبين عبادي، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك)
وقال ( إن الدعاء هو العبادة)
كيف أدعو الله تعالى ؟
يقول تعالى: " ادعوا ربكم تضرعا وخيفة إنه لا يحب المعتدين" (1)
أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم في تذلل واستكانة وخفية كقوله ( واذكر ربك في نفسك) ويجب أن يكون الدعاء بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارا ومراءاة، فالله تعالى لا يحب المعتدين في الدعاء ولا في غيره.
(1) الأعراف:55
ويقول تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون" (1)
إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضا والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضا، وقربى ندية، وملاذ أمين، وقرار مكين. وفيها ترغيب في الدعاء، فإنه لا يضيع لديه تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبتين)
وقال عليه السلام: ( ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) قالوا: إذا نكثر؟ قال: (الله أكثر)(2)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل) قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: ( يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي)
هل يفيد الدعاء.. وكل شئ مكتوب عند الله؟
يقول تعالى: " وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم" (3)
(1) البقرة:186 (2) مسند احمد (3) يونس:107
في الآية بيان أن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم)
وهو الغفور لمن تاب إليه ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به فإنه برحمته يتوب عليه.
كثيرا ما أدعوا ولا يستجاب لي، لماذا؟
ويقول تعالى: " ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا" (1)
ويقول تعالى: " ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم" (2)
يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالشر في حال ضجرهم وغضبهم وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأولادهم أو لأموالهم بالخير والبركة والنماء، وفي هذه الآية يخبر الله تعالى أنه لو استجاب لهم كلما دعوه به في ذلك لأهلكهم ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك كما جاء في الحديث، قال رسول الله
(1) الإسراء:11 (2) يونس:11
صلى الله عليه وسلم: ( لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم) (1)
متى أدعوا الله تعالى؟
يقول تعالى: " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون" (2)
يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر كقوله: (وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض) أي: دعاء كثير وهما في معنى واحد وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله فإذا خرج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب كأنه ما كان به من ذلك شئ، ويذم الله تعالى من هذه صفته وطريقته أنه من المسرفين، أما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن)
(1) صحيح مسلم (2) يونس:12 3) صحيح مسلم
ويقول تعالى: " وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار"(1)
عند الحاجة يتضرع الإنسان ويستغيث بالله وحده لا شريك له، وفي حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع، وفي حال العافين يشرك بالله تعالى ويجعل له أندادا.. فمن كانت هذه حالته فليتمتع بكفره قليلا، وهذا تهديد شديد ووعيد من الله تعالى لأن مصيره إلى النار.
وفي قوله تعالى: " فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون"(2)
إنما أنعم الله تعالى عليه هذه النعمة ليختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي مع علم الله تعالى المتقدم بذلك فهي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.
(1) الزمر: 8 (2) الزمر:4