قراءة القرآن
القرآن هو كتاب دعوة ودستور نظام ومنهج حياة،إن طبيعة هذا القرآن ذاتها.. طبيعته في دعوته وفي تعبيره، طبيعته في موضوعه وفي أدائه، طبيعته في حقيقته و في تأثيره، إن طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة، يحسها كل من له ذوق وبصر و إدراك للكلام، واستعداد لإدراك ما يوجه إليه ويوحي به.
والذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال، وهو تاريخ الأمم والأجيال، وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد، وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام. والتحول الذي تم في نفوس العرب وحياتهم فنقله تلك النقلة الضخمة دون أسباب ظاهرة إلا فعل هذا الكتاب ومنهجه في النفوس والحياة.
لماذا يعد القرآن أعظم نعمة على أهل الأرض؟
حمد نفسه سبحانه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أعظم نعمة على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ وجعله مستقيما لينذر من خالفه وكذبه ولم يؤمن به بعقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الآخرة، ويبشر بالقرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح أن لهم مثوبة عند الله جميلة ماكثين في ثوابهم وهو الجنة خالدين فيها.فيقول تعالى: " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا* قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه وبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا" (1)
(1) الكهف:1-2
وفي قوله تعالى: " الله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد" (1)
هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم فالأبرار تقشعر جلودهم من الخوف عند سماع كلام الجبار لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد ثم تلين قلوبهم لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: 1. أن سماع هؤلاء تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات، 2. أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا بأدب وخشية وفهم وعلم، 3. أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، وهذه صفة من هداه الله ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله.
ويقول تعالى: " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون* هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول للذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" (2)
إنها خفقات عجيبة في صفحات المشهد المعروض، لا يجليها هكذا إلا هذا الكتاب العجيب.
(1) الزمر:23 (2) الأعراف: 52-53
يقول تعالى: " هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب" (1)
يقول تعالى هذا القرآن بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن ليتعظوا به ويستدلوا بما فيه من الحجج والبراهين والدلالات على أنه لا إله إلا هو.
وفي قوله تعالى: "ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا" (2)
أي لهم الحجج والبراهين القاطعة ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا فأبى أكثر الناس إلا جحودا للحق وردا للصواب.
وفي قوله تعالى: " لقد أنزلنا إليكم كتاب فيه ذكركم أفلا تعقلون"(3)
يقول تعالى منبها على شرف القرآن وعرضا لهم على معرفة قدره أنه أنزل فيه شرفهم ودينهم أفلا تعقلون هذه النعمة بالقبول؟ّ!
لماذا أنزل الله تعالى القرآن الكريم؟
قال تعالى: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" (4)
(1) إبراهيم:52 (2) الإسراء:89 (3) الأنبياء:10 (4) يونس:57
يقول تعالى ممتنا على خلقه بما انزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم فيه زجر عن الفواحش وشفاء من الشبه والشكوك
وهو إزالة ما في الصدور من رجس ودنس، وهدى ورحمة أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين والموقنين بما فيه.
يقول تعالى: (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل"(1)
يقول تعالى مخاطبا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه أنزل القرآن لجميع الخلق لينذرهم به، فمن اهتدى فإنما يعود نفع ذلك على نفسه ومن ضل فإنما يرجع وبال ذلك على نفسه وما أنت بموكل أن يهتدوا وإنما عليك البلاغ.
وفي قوله تعالى: "إن هو إلا ذكر للعالمين* لمن شاء منكن أن يستقيم* وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين" (2)
أي أن هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون، ومن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإنه مناجاة له وهداية ولا هداية فيما سواه.
كيف نقرأ القرآن؟
ويقول تعالى: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" (3)
وليس التدبر بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله وما يرى في خلقه ولا عمله!
(1) الزمر:41 (2) التكوير:27-29 (3) ص:29
كما في قوله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"(1)
يأمر تعالى بتدبر القرآن وتفهمه وينهى عن الإعراض عنه، والذين لا يتدبرون فقلوبهم مطبقة لا يخلص إليها شئ من معانيه.
ويقول تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" (2)
يأمر تعالى بتدبر القرآن وينهى عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه ومخبرا أنه لا اختلاف فيه ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد. وفي الحديث: بينما الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال( إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب) (3)
وفي قوله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون" (4)
و أي خسارة بعد خسارة الإيمان، أعظم آلاء الله على الناس في هذا الوجود؟! قال عمر بن الخطاب: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار، وأن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، (وقال صلى الله عليه وسلم: يتبعونه حق إتباعه)، ومن يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة.
(1) محمد:24 (2) النساء: 82 (3) مسند احمد (4) البقرة:121
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)
كيف يفرق القرآن بين الناس؟
يقول تعالى: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا* وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا" (1)
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه إذا قرأ القرآن على هؤلاء المشركين جعل الله بينهم مانع أن يصل إليهم مما يقول شيئا، فلا يهتدوا، وجعل الله تعالى على قلوبهم أغشية حتى لا يفهموا القرآن وفي آذانهم ثقل يمنعهم من سماع القرآن سماعا ينفعهم ويهتدوا به، وإذا وحدت الله في تلاوتك وقلت لا إله إلا الله أدبروا راجعين.
لم لا أتأثر بالقرآن؟
يقول تعالى: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله, وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون" (2)
(1) الإسراء:45-46 (2) الحشر:21
إذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه.
ما مدى تأثير القرآن؟
يقول تعالى: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا" (1)
يمدح الله تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل ويبشر المؤمنين به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه أن لهم أجرا كبيرا يوم القيامة.
وفي قوله تعالى: " وإنه لتذكرة للمتقين* وإنا لنعلم أن منكم مكذبين* وإنه لحسرة على الكافرين* وإنه لحق اليقين" (2)
ويقول تعالى: " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" (3)
يقول تعالى عن كتابه إنه شفاء أي يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضا
(1) الإسراء:9 (2) الحاقة:48-51 (3) الإسراء: 82
رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماع القرآن إلا بعدا وكفرا والآفة من الكافر لا من القرآن