الصلاة
إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى، يستمد منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة، حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة، حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع، وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة، حينما يطول به الطريق وتبعد الشقة في عمره المحدود، ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئا وقد أوشك على المغيب، ولم ينل شيئا وشمس العمر تميل للغروب، حينما يجد الشر نافشا والخير ضاويا، ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق..هنا تبدو قيمة الصلاة، إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية، إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض، إنها مفتاح الكنز الذي يغنى ويقنى ويفيض، إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب،إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود، ومن هنا كان عليه السلام إذا كان في الشدة قال: ( أرحنا بها يا بلال)
والإسلام يعترف بالإنسان جسما وعقلا وروحا في كيان، والصلاة مظهرا لنشاط قواه الثلاث وتوجهها إلى خالقها جميعا في ترابط واتساق فهي: قياما وركوعا وسجودا تحقيقا لحركة الجسد، وقراءة وتدبرا وتفكيرا في المعنى والمبنى تحقيقا لنشاط العقل، وتوجها واستسلاما لله تحقيقا لنشاط الروح، والصلاة فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها،وهي أشرف عبادات البدن.
هذا أول واجب المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له فيأمر الله تعالى ويقول: وحدني وقم بعبادتي من غير شريك، وقيل معناها صل لتذكرني وقيل معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها)(1)
و يقول تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" (2)
عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.. عقيدة خالصة في الضمير، وعبادة لله، تترجم عن هذه العقيدة ، وإنفاق للمال في سبيل الله، وهو الزكاة.. فمن حقق هذه القواعد، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو في دين الله على الإطلاق، دين واحد.. وعقيدة واحدة، تتوالى بها الرسالات، ويتوافى عليه الرسل.. دين لا غموض فيه ولا تعقيد، وعقيدة لا تدعو إلى تفرق ولا خلاف، وهي بهذه النصاعة، وبهذه البساطة، وبهذا التيسير. فأين هذا من تلك التصورات المعقدة، وذلك الجدل الكبير
ويقول تعالى: " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال"(3)
والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها و خشوعها وسجودها.
(1) طه:14 (2) البينة:5 (3) إبراهيم:31
ويقول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" (1)
لماذا أمرنا الله بالصلاة؟
يقول تعالى: " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"(2)
إن المواظبة عليها تشمل على ترك الفواحش والمنكرات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدا)
ويقول تعالى: " وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين" (3)
وهي الطاعة العظيمة، مر عمر رضي الله عنه بمعاذ بن جبل فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات : الإخلاص وهي الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
ويقول تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى" (4)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك) (5)
(1) الحج:77 (2) العنكبوت:45 (3) الروم:31 (4) طه: 132 (5) تحفة الأحوذي
ما الصلاة التي سنسأل عنها؟
يقول تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" (1)
أمر من الله تعالى بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها، والمراد بقرآن الفجر هو صلاة الفجر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)(2)
يقول تعالى: " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات وذلك ذكرى للذاكرين" (3)
لقد علم الله أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد، والذي يقيم البنية الروحية، ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف، ذلك انه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود، القريب المجيب.
والآية هنا تذكر طرفي النهار، وهما أوله وآخره، وزلفا من الليل. وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها، والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك.
والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة _ أي أدائها كاملة مستوفاة_ بأن الحسنات يذهبن السيئات، وهو نص عام يشمل كل حسنة، والصلاة من أعظم الحسنات، فهي داخلة فيه بالأولوية. لا لأن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد، فالصلاة ذكر في أساسها.
(1) الإسراء:78 (2) البخاري (3) هود: 114
قال صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له) (1)
وقال صلى الله عليه وسلم: ( جعلت الصلوات كفارات لما بينهن)
ويقول تعالى: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين"(2)
يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها...)الحديث (3)
ماذا نستفيد من الصلاة؟
يقول تعالى: " وأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير" (4)
يحث الله تعالى الناس على الاشتغال بما ينفعهم، وتعود عليه عاقبته يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا وفي الآخرة فإن الله تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه سواء كان خيرا أو شرا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله.
ويقول تعالى:"والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين" (5)
(1) مسند احمد (2) البقرة:238 (3) مسند احمد (4) البقرة: 110 (5) الأعراف:170
يثني الله تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى إتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فاعتصموا بهذا الكتاب واقتدوا بأوامره
وتركوا زواجره.
ويقول تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين" (1)
أي على طاعة الله تعالى وأنهما معونتان على رحمة الله وهذه الأعمال ثقيلة على الناس إلا على المتواضعين لطاعة الله المتذللين من مخافته،وإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر صلى.والصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب، صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح صلة، وتجد فيها النفس زادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا، وهذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادا للطريق، ورصيدا حين ينفد الرصيد.
(1) البقرة: 45