العبادة
إن هذا الدين عجيب، إنه منهج العبادة، العبادة في شتى صورها والصلاة عنوانها، وعن طريق العبادة يصل الإنسان إلى أرفع درجاته، وعن طريق العبادة يثبته في الشدة، ويهذبه في الرخاء، وعن طريق العبادة يدخله في السلم كافة ويفيض عليه السلام والاطمئنان.والتكاليف التي يفرضها الإسلام على المسلم كلها من الفطرة ولتصحيح الفطرة لا تتجاوز الطاقة، ولا تتجاهل طبيعة الإنسان وتركيبه ولا تهمل طاقة واحدة ولا تنسى حاجة واحدة من حاجات تكوينه الجثماني والروحي لا تلبيها في يسر ورخاء.
قال عمر بن الخطاب: إنما يتقبل الله من العمل أخلصه وأصوبه، قالوا: وما أخلصه يا أمير المؤمنين؟قال: أخلصه من كان خالصا لله،وأصوبه ما كان على الكتاب والسنة.
لماذا خلقنا الله تعالى؟
يقول تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (1)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم_ يعني قال الله تعالى: (يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك) (2)
وقال تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا"(3)
(1) الذاريات:56 (2) مسند أحمد (3) النساء:1
يقول تعالى آمرا خلقه بتقواه وهي عبادته وحده لا شريك له ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة وهي آدم عليه السلام، فاتقوا الله بطاعتكم إياه، فإن الله مراقب لجميع أحوالكم و أعمالكم.
وما أهولها من رقابة! والله هو الرقيب! وهو الرب الخالق الذي يعلم من خلق، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، لا في ظواهر الأفعال ولا في خفايا القلوب.
ما هدف العبادة؟
قال تعالى " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم لعلكم تتقون"(1)
إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم، ربهم الذي تفرد بالخلق فوجب أن يتفرد بالعبادة، وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققوه، لعلهم يصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية، صور العابدين لله، المتقين لله، الذين أدوا حق الربوبية الخالقة، فعبدوا الخالق وحده، رب الحاضرين والغابرين ، وخالق الناس أجمعين.
حديث بمعنى الآية:
عن الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن و أن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وأنه كاد أن يبطئ بها
(1) البقرة 21
فقال له عيسى عليه السلام أنك أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تبلغهن وإما أن ابلغهن
فقال يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن،أولهن:أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده، كذلك وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا، وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقدموا إليه ليضربوا عنقه، وقال لهم هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وأمركم بذكر الله كثيرا وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله،،قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم) قالوا يا رسول الله وإن صام وصلى؟ فقال (وإن صلى وصام وزعم انه مسلم فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله)(1).
(1) مسند أحمد
قال تعالى: " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " (1)
يأمر الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق المنعم المفضل على خلقه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : (أتدري ما حق الله على العباد) قال: الله ورسوله اعلم، قال: (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا )، ثم قال: (أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم)(2)
وهذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بإقامة الدين وأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، وإذا كانوا لا يستطيعوا إقامة الدين فالهجرة إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامته فيقول: "يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون" (3)
ما الأساس الذي تقوم عليه العبادة؟
قال تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) (4)
من لقي الله تعالى بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، وقد اختلف الذين أوتوا الكتاب الأول وبغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا.
(1) النساء:36 (2) صحيح البخاري (3) العنكبوت:56 (4) آل عمران:19
و قال تعالى: " أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا و كرها وإليه يرجعون" (1)
إن دين الله واحد، ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله، من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه، وفي نظام حياته، ليتناسق مع النظام الكوني كله والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شئ وكل حي، فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب، إنما يصطدم أولا بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق، ويحيا عما تحيا البشرية الضالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب_ على الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التسهيلات الحضارية.
وقال تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" (2)
في مسند الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تجئ الأعمال يوم القيامة، فتجئ الصلاة فتقول يا رب، أنا الصلاة، فيقول انك على خير، وتجئ الصدقة فتقول يا رب أنا الصدقة، فيقول انك على خير، ثم يجئ الصيام فيقول: يا رب أنا الصيام فيقول: انك على خير،، ثم تجئ الأعمال، كل ذلك يقول الله تعالى: انك على خير، ثم يجئ الإسلام فيقول: يا رب، أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: انك على خير بك اليوم آخذ وأعطي.
(1) آل عمران:83 (2) آل عمران:85
فأما الذين لا يؤمنون بهذا الدين فلا مطمع لهم في هداية الله، ولا في النجاة من عقابه إلا أن يتوبوا، أما الذين يموتون وهم كفار فلن ينفعهم أن يكونوا قد بذلوا ما بذلوا ولن ينجيهم إن يفتدوا بملء الأرض ذهبا.
وكما قال تعالى: " ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا " (1)
المعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ولا كل من قال إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان.
فأحسن الدين هو هذا الإسلام _ ملة إبراهيم _ و أحسن العمل هو
( الإحسان) والإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
كيف أصبح من المؤمنين؟
قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا " (2)
(1) النساء: 125 (2) النساء: 136
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة ( اهدنا الصراط المستقيم )، أي بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه.
فأمرهم بالإيمان به وبرسله وبالقرآن وجميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: < نزل لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ودمائهم>
و أما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة ومن يكفر بهذا فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد.
هل يجب علينا أن نلتزم بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (1)
إن المرجع فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة، والأقضية التي لم ترد فيها أحكام نصية، إن المرجع هو الله ورسوله أي شريعة الله ورسوله.
روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس حوله مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال:
النساء:59
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما لم يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء, وأمور ينكرونها وتجئ فتن يرفق بعضها بعضا، وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه.. ) جزء من الحديث (1)
قال تعالى: " يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون " (2)
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له ولهذا قال لهم لا تتركوا طاعته وامتثال أوامره وتترك زواجره وانتم تعلمون ما دعاكم إليه.
كما في قوله تعالى: " قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين" (3)
قال تعالى: " يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض وكان الله عليما حكيما" (4)
(1) صحيح مسلم (2) الأنفال:20 (3) النور:54 (4) النساء:170
أي قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله عز وجل، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه ، يكن خيرا لكم، فإن تكفروا فهو في غنى عنكم وعن إيمانكم ولا يتضرر بكفرانكم، وكان الله عليما بمن يستحق منكم الهداية فيهديه وبمن يستحق الغواية فيغويه فهو حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
ويقول تعالى: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا" (1)
يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله،، فلا تفرقة بين الله ورسوله، ولا بين قول الله وقول رسوله.. ومن تولى معرضا مكذبا فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني) (2)
ويقول تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عليك منه إلا البلاغ فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر وليس عليك من أمره شئ، كما جاء في الحديث ( من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصي الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه) (3)
(1) النساء:80 (2) صحيح البخاري (3) صحيح مسلم
قال تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا" (1)
انه إذا حكم الله ورسوله بشئ فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا.. ولا رأي ولا قول. وفي الحديث: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)
قال تعالى: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " (2)
أي من عمل بما أمره الله ورسوله وترك ما نهاه عنه الله ورسوله فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون ثم الشهداء ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم, ثم أثنى عليهم.
سبب نزول الآية: جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا فلان ما لي أراك محزونا؟) فقال: يا نبي الله شئ فكرت فيه، فقال وما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه سلم شيئا، فأتاه جبريل بهذه الآية، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره.
(1) الأحزاب: 36 (2) النساء:69
قال تعالى: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير* ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون" (1)
يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة وذلك من اكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان والبغي فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك,,وأعلم تعالى انه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شئ ولا يخفى عليه شئ.
ويقول تعالى: " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (2)
يقول تعالى فسدد وجهك واستمر على هذا الدين الذي شرعه الله لكمن الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)(3)
والتمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم، لكن أكثر الناس لا يعرفون هذا لأنهم ناكبون عنه.
(1) هود:112+113 (2) الروم: 30 (3)صحيح البخاري
ويقول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما"(1)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا قولا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أنابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم أي يوفقهم للأعمال الصالحة وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها، فمن يطع الله ورسوله يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم.
إلى متى أعبد الله؟
قال تعالى: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "(2)
اليقين هو الموت ،و الدليل على ذلك قوله تعالى: (لم نك من المصلين*ولم نك نطعم المسكين*وكنا نخوض مع الخائضين*وكنا نكذب بيوم الدين*حتى أتانا اليقين) وفي صحيح البخاري عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك أن الله أكرمه؟) فقلت: بأبي و أمي يا رسول الله، فمن؟ فقال: (أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير)، ويستدل بهذه الآية أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب حاله.
(1) الأحزاب: 70-71 (2) الحجر :99
ويقول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة" (1)
اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم من عذاب النار، وحق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه.
وقال تعالى: " للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد " (2)
يخبر الله تعالى عن حال السعداء والأشقياء، فللذين أطاعوا الله ورسوله وانقادوا لأوامره وصدقوا أخباره الماضية والآتية الجزاء الحسن، والذين لم يطيعوا الله..في الدار الآخرة لو يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا، ويناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير، ومن نوقش عذب.
(1) التحريم:6 (2) الرعد:18