التوبة
إن هذا الدين ليدرك ضعف هذا المخلوق البشري الذي تهبط به ثقلة الجسد أحيانا إلى درك الفاحشة، وتهيج به فورة اللحم والدم فينزو نزوة الحيوان في حمى الشهوة، وتدفعه نزواته وشهواته وأطماعه ورغباته إلى المخالفة عن أمر الله في حمى الاندفاع، يدرك ضعفه فلا يقسو عليه، ولا يبادر إلى طرده من رحمة الله حين يظلم نفسه، حين يرتكب الفاحشة.. المعصية الكبيرة.. وحسبه أن شعلة الإيمان ما تزال في روحه لم تنطفئ، وأن نداوة الإيمان ما تزال في قلبه لم تجف، وأن صلته بالله ما تزال حية لم تذبل، وأنه يعرف أنه عبد يخطئ وأن له ربا يغفر..
وإذن فما يزال هذا المخلوق الضعيف الخاطئ المذنب بخير.. إنه سائر في الدرب لم ينقطع به الطريق، ممسك بالعروة لم ينقطع به الحبل، فليعثر ما شاء له ضعفه أن يعثر، فهو واصل في النهاية ما دامت الشعلة معه، والحبل في يده، ما دام يذكر الله ولا ينساه، ويستغفره ويقر بالعبودية له ولا يتبجح بمعصيته.
إنه لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف الضال باب التوبة، ولا يلقيه منبوذا حائرا في التيه، ولا يدركه مطرودا خائفا من المآب..
إنه يطمعه في المغفرة، ويدله على الطريق، ويأخذ بيده المرتعشة، ويسند خطوته المتعثرة، وينير له الطريق، ليفئ إلى الحمى الآمن ويثوب إلى الكنف الأمين.
شئ واحد يتطلبه: ألا يجف قلبه، وتظلم روحه، فينسى الله.. وما دام يذكر الله، مادام في روحه ذلك المشعل الهادي، مادام في ضميره ذلك الهاتف الحادي، مادام في قلبه ذلك الندى البليل فسيطلع النور في روحه من جديد، وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد، وستنبت البذرة الهامدة من جديد.
إن الله سبحانه لا يطارد عباده الضعاف، ولا يطردهم متى تابوا إليه وأنابوا، وهو _ سبحانه _ غني عنهم، وما تنفعه توبتهم، ولكن تنفعهم هم أنفسهم، وتصلح حياتهم وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه، ومن ثم يفسح لهم في العودة إلى الصف تائبين طاهرين.
هل يمكنني أن أتوب؟
أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته فقال: " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما" (1)
فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا ثم يستغفر الله يغفر له الله ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم يذنب ذنبا، ثم يتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له)(2)
ويقول تعالى: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما* وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما" (3)
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل ذنب أصابه العبد فهو جهالة حتى لو كان عمدا،فالجهالة هنا بعظمة الله تعالى عند الإقبال على المعصية،وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، وهذا يدل على أن من تاب إلى الله عز وجل وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة..
(1) النساء"110 (2) مسند أحمد (3) النساء: 17+18
أما عند سكرات الموت.. متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وخرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس فلا توبة مقبولة حينئذ لهذا قال تعالى:
( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)، وكما حكم الله تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا طلعت الشمس من مغربها.
وفي هذه الآية تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه فيقول تعالى: " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم" (1)
ويقول: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم" (2)
هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها وان كانت مهما كانت وان كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب عنه.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يدعم على عصا له فقال: يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (ألست تشهد أن لا اله إلا الله؟) قال: بلى واشهد انك رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ( قد غفر لك غدراتك وفجراتك)(3)
(1) التوبة:104 (2) الزمر:53 (3) مسند احمد
والمراد انه يغفر جميع ذنوبه مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع.. قال صلى الله عليه وسلم: ( كفارة الذنب الندامة)
ويقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه أنه من كرمه وحلمه أن يعفو ويستر ويغفر: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون" (1)
وفي قوله: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" (2)
والتعبير هنا يصور أداء هذه الطاعات في صورة حسية حركية.. يصوره سباقا إلى هدف أو جائزة تنال.
ما الوقت المناسب للتوبة؟
يقول تعالى: " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون" (3)
ويقول: " والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" (4)
قال تعالى: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون" (5)
(1) الشورى:25 (2) آل عمران:133 (3) الزمر:54 (4) الأعراف:153 (5) آل عمران: 135
لما نزلت هذه الآية بكى إبليس.. قال صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بلا اله إلا الله والاستغفار، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا اله إلا الله والاستغفار فأكثروا منها، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء ، فهم يحسبون أنهم مهتدون)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)
وفي هذه الآية يخبرنا الله تعالى عن الذين إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار والذين تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه.
هل يقبل الله توبتي؟
يقول تعالى: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى"(1)
كل من تاب إلي تبت عليه من أي ذنب كان، والتوبة أن يرجع الإنسان عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق فيؤمن بقلبه ويعمل الصالحات بجوارحه ولا يشكك في أوامره تعالى ويستقيم على السنة ويلزم الإسلام حتى يموت.
(1) طه:82
ولكن هنا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سئ ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه..وذلك في قوله تعالى: "إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم" (1)
ويقول تعالى: " غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير" (2)
من صفاته عز وجل كما ذكر في كتابه أنه يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه وهو أيضا شديد العقاب لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى، وهو سبحانه وتعالى ذو السعة والغنى والمن الكثير المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم فيه من الأنعام، فلا إله غيره وإليه المرجع ليحاسب كل بعمله
كيف أتوب إلى الله؟
يقول تعالى: " وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين* فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين"(3)
وهذه الآية تبين حال الذين آمنوا بالله تعالى من بعد الضلال
" ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار* ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد"(4)
(1) النمل:11 (2) غافر:3 (3) آل عمران 147-148 (4) آل عمران:193-194
والمنادي هو الرسول صلى الله عليه وسلم.. أي يقول آمنوا بربكم فآمنا، استجبنا له واتبعناه بإيماننا، ونطلب من الله تعالى أن يستر ذنوبنا ويمحو خطايانا ويلحقنا بالصالحين وأن لا يفضحنا على رؤوس الخلائق يوم القيامة.
ما الفرق بيني وبين التائب؟
يقول تعالى:" فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين" (1)
ويقول تعالى: " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون* أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين* أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين"(2)
أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له، وبادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة واتبعوا ما أنزل وهو القرآن العظيم قبل أن يأتي يوم القيامة الذي فيه يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله عز وجل.. وتقول نفسه إنما كان عملي في الدنيا عمل سافر مستهزئ، فتود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل، فيخبر الله عز وجل أن لو ردوا لما قدروا على الهدى.
قال تعالى: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"(3)
(1) القصص:67 (2 الزمر:54-56) (3) الحديد:2
فليس السباق إلى إحراز اللهب واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا عن الطوق، وتركوا عالم اللهو واللعب للأطفال والصغار! إنما السباق إلى ذلك الأفق ، والى ذلك الهدف والى ذلك الملك العريض، جنة عرضها كعرض السماء والأرض..
لا بد لصاحب العقيدة أن يتعامل مع هذا الوجود الكبير، ولا يحصر نفسه ونظره وتصوره واهتمامه ومشاعره في عالم الأرض الضيق الصغير.. لا بد له من هذا ليؤدي دوره اللائق بصاحب العقيدة، هذا الدور الشاق الذي يصطدم بحقارات الناس وأطماعهم، كما يصطدم بضلال القلوب والتواء النفوس.. ويعاني من مقاومة الباطل وتشبثه بموضعه من الأرض ما لا يصبر عليه إلا من يتعامل مع وجود اكبر من هذه الحياة، وأوسع من هذه الأرض، وأبقى من ذلك الفناء
قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار" (1)
قال عمر بن الخطاب إن التوبة النصوحة لمن يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه، فالتوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر ويندم على ما سلف منه في الماضي ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، وإذا كان لأحد حق عليه رده إليه، فالتوبة تجب (تقطع) ما قبلها من الخطيئات.
(1) التحريم:8