عداوة الشيطان
إبليس الرجيم.. بيته الحمام، ومجلسه الأسواق ومجامع الطرقات، وطعامه كل ما لم يذكر اسم الله عليه، وشرابه كل مسكر، ومؤذنه المزمار، وقرآنه وكلامه الشعر، وكتابه الوشم، وحديثه الكذب، ورسله الكهنة ومصايده النساء.
ذلك الشيطان الذي لعنه الله، والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء ادم، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية، من لذة كاذبة، وسعادة موهومة، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف!
كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة، وشعائر سخيفة من نسج الأساطير.
وشعور الإنسان بأن الشيطان هو الذي يأمر بهذا الشرك وتوابعه، يثير في نفسه _ على الأقل _ الحذر من الفخ الذي ينصبه العدو، وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسية بين الإنسان والشيطان، ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض، والوقوف تحت راية الله وحزبه، في مواجهة الشيطان وحزبه، وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده.
والمؤمن لا يغفل عنها، ولا ينسحب منها وهو يعلم انه إما أن يكون وليا لله، وإما أن يكون وليا للشيطان، وليس هنالك وسط.. والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات، ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة. والمسلم يكافحه في ذات نفسه، كما يكافحه في أتباعه.. معركة واحدة متصلة طوال الحياة.
لماذا حذرنا الله تعالى من الشيطان؟
" قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون* قال فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم* قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين)(1)
ويخبرنا تعالى عما يكيده الشيطان لبني آدم في قوله: "قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين" (2)
ويذكر الله تعالى أنه كان بالأمم الخالية رسلا فكذبوهم أقوامهم وذلك من تزيين الشيطان لهم فهم تحت العقوبة وهو وليهم ولا يملك لهم خلاصا، ولهم عذاب اليم.. وذلك في قوله تعالى: " تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم"(3)
وما يزال تعالى يحذرنا من الشيطان ويبين لنا مكايده فيقول: " وما يعبدون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا* لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا* ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا* يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" (4)
فمن يعبد شيئا من دون الله فإنما يعبد الشيطان، فهو الذي أمرهم بذلك وزينه لهم، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، ومن مكائده ونواياه للإضلال ببني آدم أنه لعنه الله قال أنه سيتخذ من
(1) ص:79-82 (2) الحجر: 39+40 (3) النحل" 63 (4) النساء: 117-120
الناس مقدارا معينا يبعدهم ويضلهم عن الحق، ويزين لهم ترك
التوبة، ويعدهم الأماني ويأمرهم بالتسويف والتأخير، وتغيير خلق الله تعالى،في الصحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل، ثم قال: ألا لعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يتخذ الشيطان وليا فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.. ويخبرنا تعالى عن الواقع، فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة وقد كذب وافترى في ذلك.
ويقول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين"(1)
لما دعا الله الذين آمنوا أن يدخلوا في السلم كافة.. حذرهم أن يتبعوا خطوات الشيطان، فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان: إما الدخول في السلم كافة، وإما إتباع خطوات الشيطان، إما هدى وإما ضلال، إما إسلام وإما جاهلية، إما طريق الله وإما طريق الشيطان، وبمثل هذا الحسم ينبغي أن يدرك المسلم موقفه، فلا يتردد ولا يتحير بين شتى الاتجاهات.
إنه ليس هنالك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار واحدا منها، أو يخلط واحدا منها بواحد.. كلا! إنه من لا يدخل في السلم بكليته ومن لا يسلم نفسه خالصة لقيادة الله وشريعته.. سائر على خطوات الشيطان.
(1) البقرة:208
ليس هنالك حل وسط، ولا منهج بين بين، ولا خطة نصفها هنا ونصفها هناك، إنما هناك حق وباطل، هدى وضلال، إسلام وجاهلية.. منهج الله أو غواية الشيطان.. والله يدعو المؤمنين في الأولى إلى الدخول في السلم كافة.
ويحذرهم في الثانية من إتباع خطوات الشيطان، ويستجيش ضمائرهم، ويستثير مخاوفهم بتذكيرهم بعداوة الشيطان لهم، تلك العداوة الواضحة البينة، التي لا ينساها إلا غافل، والغفلة لا تكون مع الإيمان.
كيف حذرنا الله تعالى من الشيطان؟
يأمر الله تعالى الناس أن يتلقوا منه هو الأمر في الحلل والحرمة، وألا يتبعوا الشيطان في شئ من هذا، لأنه عدوهم، ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير، إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل، ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله، وفي ذلك يقول تعالى: " ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين* إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" (1)
ينهى الله تعالى عن إتباع طرائق الشيطان ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه، فإنه عدو مبين لكم وهذا تنفير عنه وتحذير منه وكل معصية لله فهي من خطوات الشيطان، وإنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة وأغلظ منها الفاحشة وأغلظ من ذلك القول على الله بلا علم فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضا.
(1) البقرة:168+169
وفي هذه الآية الكريمة تأكيد على أوامر الشيطان بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الأخلاق ،يقول تعالى: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم" (1)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن للشيطان لمه بابن آدم وللملك لمه، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان)
وهذا حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل:" ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد* كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير" (2)
فهم يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، وهؤلاء هم أتباع الشيطان الذين يضلهم في الدنيا ويقودهم في الآخرة إلى عذاب السعير
ويقول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله واسع عليم" (3)
(1) البقرة:268 (2) الحج: 3+4 (3) النور: 21
أمر من الله تعالى للمؤمنين أن لا يسلكوا مسالك الشيطان ولا يفعلوا ما يأمر به، وفي الآية تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها، ولولا أن الله تعالى يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا، ولكن الله يزكي من يشاء من خلقه ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي، والله سبحانه وتعالى سميع لأقوال عباده وعليم بمن يستحق منهم الهدى والضلال.
متى يعترف لك الشيطان بضلاله لك؟
يقول تعالى: " واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" (1)
أي.. استخفنهم بالغناء واللهو وادعهم إلى كل معصية، وتسلط عليهم بكل ما تقدر عليه وهذا أمر قدري، كقوله تعالى( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) أي تسوقهم إلى المعاصي سوقا.. و أؤمرهم بإنفاق أموالهم بالمعاصي والحرام وتربية الأولاد على غير دين الله تعالى، وكل الوعود التي يعطيها الشيطان لأوليائه كلها كذبا ليضلهم عن سبيل الله ويعترف لهم بذلك يوم يقضى بالحق
ويقول تعالى: " ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين" (2)
(1)الإسراء:64 (2) الزخرف:62
هل يقدر عليك الشيطان؟
يقدر الشيطان على كل كذاب في قوله وكل فاجر في أفعاله كما في قوله تعالى: " هل أنبئكم على من تنزل الشياطين* تنزل على كل أفاك أثيم" (1)
وفي قوله تعالى: " استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" (2)
يستحوذ على قلوبهم كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية)
ويقول تعالى: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين" (3)
أي أن أولياءه يخوفونكم, ويوهموكم أنهم ذوو بأس و شدة، فيقول تعالى إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجئوا إلي، فإني كافيكم وناصركم عليهم.
والشيطان ماكر خادع غادر، يختفي وراء أوليائه، وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته ومن هنا يكشفه الله، ويوقفه عاريا لا يستره ثوب من كيده ومكره، ويعرف المؤمنين الحقيقة: حقيقة مكره ووسوسته ليكونوا منها على حذر، فلا يرهبوا أولياء الشيطان ولا يخافوهم، فمن أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه، ويستند إلى قوته..
(1) الشعراء: 221+222 (2) المجادلة: 19 (3) آل عمران: 175
إن القوة الوحيدة التي تخشى وتخاف هي القوة التي تملك النفع والضر، هي قوة الله، وهي القوة التي يخشاها المؤمنون بالله، وهم حين يخشونها وحدها أقوى الأقوياء، فلا تقف لهم قوة في الأرض..
لا قوة الشيطان ولا قوة أولياء الشيطان.
ما الأشياء التي يستطيع أن يفعلها الشيطان؟
يقول تعالى: " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا" (1)
الأمر للعباد هنا أن يتخاطبوا بالحسنى، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة.
ويقول تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم* إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون* إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون" (2)
هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، حتى لا يلبس على القارئ قراءته، ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر، والشيطان ليس له على المؤمنين سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه، إنما سلطانه على الذين يطيعونه.
(1) الإسراء:53 (2) النحل" 98-100
كيف نتخلص من الشيطان؟
يقول تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم" (1)
أي أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كفه عنك ورد كيده.
ما حال أتباع الشيطان يوم القيامة؟
يخبر تعالى عما يخاطبه به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده فيقول: "وقال الشيطان لما قضي الأمر الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم" (2)
فأدخل الله المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لعنه الله يومئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنه، وحسرة إلى حسرتهم، فيقول أن الله وعدهم النجاة والسلامة على ألسنة رسله، وكان وعدا حقا وخبرا صادقا وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم كما قال تعالى: ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)
(1) فصلت:36 (2) إبراهيم: 22
ثم قال ( وما كان لي عليكم من سلطان) أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به ( إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل والحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ( فلا تلوموني) اليوم (ولوموا أنفسكم) فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل (ما أنا) بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، ولا أنتم تنفعوني بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب وينكر أن يكون شريكا لله عز وجل، وللظالمين في إعراضهم عن الحق وإتباعهم الباطل لهم عذاب أليم.
ويقول تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين* وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم* ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون" (1)
هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم، فقد أمر سبحانه بعبادته وحده في هذه الدنيا وهذا هو الصراط المستقيم ومعصية الشيطان، ولكن سلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به.. ولقد أضل منكم الخلق الكثير، أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به وعدو لكم إلى إتباع الشيطان؟!
(1) يس: 60-62