الموت
إن لكل نفس كتابا مؤجلا إلى أجل مرسوم، ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل المرسوم،بذلك تستقر حقيقة الأجل في النفس، فتترك الاشتغال به، ولا تجعله في الحساب، وهي تفكر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانية، وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص، كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع، وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته، في صبر وطمأنينة وتوكل على الله الذي يملك الآجال وحده.
فإذا كان العمر مكتوبا، والأجل مرسوما.. فلتنظر نفس ما قدمت لغد، ولتنظر نفس ماذا تريد..
أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصر همها كله في هذه الأرض، وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها؟ أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى، وإلى اهتمامات أرفع، وإلى حياة أكبر من هذه الحياة؟؟ مع تساوي هذا الهم و ذاك فيما يختص بالعمر والحياة؟!
يقول الشاعر:
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من عروس زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
وكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
كيف يفر الإنسان من الموت؟
لا يستطيع الإنسان أن يبتعد عن الموت.. مهما فر منه سيحل به، فلا يمكنه فراقه. وهذا تفسير لقوله تعالى: " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد" (1)
يقول تعالى: " أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون" (2)
إن هذه اللمسة بالأجل المغيب _الذي قد يكون قد اقترب_ لتهز القلب البشري هزة عميقة!
لعله أن يستيقظ ويتفتح ويرى.. والله منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن اللمسة لا تبقي قلبا غافلا.. ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر، وما بعد هذا الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رأيت ليلة أسري بي كذا، فلما انتهينا إلى السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا برعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت، من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني فإذا أنا بوهج ودخان وأصوات فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض ولولا ذلك لرأوا العجائب)(3)
(1) ق:19 (2) الأعراف:185 (3) مسند أحمد
ويقول تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"(1)
ذكر الله تعالى الوفاتين.. الكبرى ثم الصغرى، إنه حين ينام الإنسان فإن الأرواح تجتمع في الملأ الأعلى فيمسك الله تعالى أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء
يقول تعالى: " فلولا إذا بلغت الحلقوم* وأنتم حينئذ تنظرون" (2)
وكما في قوله تعالى: " كلا إذا بلغت التراقي* وقيل من راق* وظن أنه الفراق* والتفت الساق بالساق* إلى ربك يومئذ المساق) (3)
يقول تعالى لبني آدم: انه إذا انتزعت روحك وبلغت النحر فتسأل عن طبيب شاف وقيل من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟.. فاجتمع عليه أمران: الناس يجهزون كفنه وجسده، والملائكة يجهزون روحه، وترفع هذه الروح إلى السموات.. فيقول تعالى: ردوا عبدي إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، ويبقى في القبر لقيام الساعة.
يقول تعالى: " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة" (4)
أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) فلكل واحد أجلا محتوما،
(1) الزمر:4 (2) الواقعة:83+84 (3) القيامة26-30 (4) النساء:78
ومقاما مقسوما ولو كان في أماكن حصينة عالية منيعة،
فلا يغني حذر وتحصنه من الموت كما قال زهير بن أبي سلمى:
من هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
وقال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفا وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنه أو رمية وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء.
يقول تعالى: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا"(1)
لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له، وشتان بين حياة وحياة، وشتان بين اهتمام واهتمام مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل.. والذي يعيش لهذه الأرض وحدها، إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام، ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب، والذي يتطلع إلى الأفق الآخر، إنما يحيا حياة (الإنسان) الذي كرمه الله واستخلفه وأفرده بهذا المكان، ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب.. وسيجزي الله الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان، ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان.
يقول تعالى: " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" (2)
يخبر تعالى إخبارا عاما يهم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، فهو تعالى وحده الحي الذي لا يموت، والجن والإنس
(1) آل عمران:145 (2) آل عمران:185
يموتون وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرا كما كان أولا..
وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها و حقيرها، كثيرها وقليلها ،فلا يظلم أحدا مثقال ذرة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه) والله تعالى يصغر من شأن الدنيا، ويحقر أمرها، وأنها دنيئة فانية, قليلة زائلة، فقال إنها متاع أوشكت أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله ما استطعتم.
وهذه القيمة التي يكون فيها الافتراق، وهذا هو المصير الذي يفترق فيه فلان عن فلان، القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد، والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب، وفي الآية صورة قوية، بل مشهد حي فيه حركة وشد وجذب! وهو كذلك في حقيقته وطبيعته، فللنار جاذبية، أليست للمعصية جاذبية؟ بلى! وهذه هي زحزحتها عن النار!
أليس الإنسان _ حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة_ يظل أبدا مقصرا في العمل.. إلا أن يدركه فضل الله؟ بلى ! وهذه هي الزحزحة عن النار، حين يدرك الإنسان فضل الله، فيزحزحه عن النار!
ماذا سيكون آخر كلامك قبل الموت؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا سئل المسلم في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) (1)
من يحميني في القبر؟
وعنه صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده، إن الميت يسمع خفق نعالكم حين تولون عنه مدبرين،فإن كان مؤمنا كانت الصلاة في رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن يساره،وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات: ما قبلي مدخل، فيقال له: إنك ستفعل فأخبرنا عما نسألك، فيقول وعم تسألوني؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت، وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا و ينور له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة فيقال له انظر إلى ما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورا، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب، وهي طير خضر
يعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدئ من التراب) وذلك قول الله: " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" (2)
(1) صحيح البخاري (2) إبراهيم:27
ماذا كان آخر كلام الله في كتابه العظيم؟
إن التقوى هي الحارس القابع في أعماق الضمير، يقيمه الإسلام هناك لا يملك القلب فرارا منه لأنه في الأعماق وفي هذا يقول تعالى: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" (1)
يعظ الله عباده ويذكرهم بزوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته وروي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم
لماذا جعل الله تعالى الموت والقيامة من الغيبيات؟
يقول تعالى: " إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى* فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى"(2)
ويقول تعالى: " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون* ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون" (3)
إنها صورة للنفوس الفارغة التي لا تعرف الجد، فتلهو في اخطر المواقف، وتهزل في مواطن الجد، وتستهتر في مواقف القداسة.
(1) البقرة:281 (2) طه:15-16 (3) الأنبياء:1-2
إن روح الاستهتار التي تلهو بالمقدسات روح مريضة، والاستهتار غير الاحتمال، فالاحتمال قوة جادة شاعرة، والاستهتار فقدان للشعور واسترخاء.
جاء في ترجمة الآمدي لعامر ابن ربيعة أنه كان قد نزل به رجل من العرب فأكرم مثواه.. ثم جاءه هذا الرجل وقد أصاب أرضا فقال له: إني استقطعت من رسول الله _ صلى الله عليه وسلم_ واديا في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك. نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)
وفي قوله تعالى: " حتى إذا فتحت يأجوج و مأجوج وهم من كل حدب ينسلون* واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين" (1)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يأتي يأجوج و مأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة)
و إذا حصلت أهوال القيامة من زلازل وبلابل، اقتربت الساعة فتشخص أبصار الكافرين من شدة ما يشاهدونه من الأمور العظام ويقولون يا ويلنا لقد كنا في غفلة عن هذا في حياتنا الدنيا ويعترفون بظلم أنفسهم حيث لا ينفعهم ذلك.
(1) الأنبياء96-97
وكما يقول تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم" (1)
قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر) قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال:قرن. قال: فكيف هو؟ قال: (قرن عظيم ينفخ فيه 3 نفخات: الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين)
وقال صلى الله عليه وسلم: ( إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا) قالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: ( يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك) (2)
(1) الحج:1 (2) الصحيحين