استنكار,,, وأدلة
ماذا قدمنا لله تعالى؟
يقول تعالى محتجا على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده، وقد كنتم أمواتا في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم ثم يميتكم موتة الحق ثم يحييكم حين يبعثكم، وفي هذا يقول تعالى: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون" (1)
وهكذا في آية واحدة قصيرة يفتح سجل الحياة كلها ويطوى ، تعرض في ومضة صورة البشرية في قبضة البارئ وإليه مرجعها في الآخرة كما كانت منه نشأتها ، ينشرها من همود الموت أول مرة، ثم يقبضها بيد الموت في الأولى، ثم يحييها كرة أخرى.. وفي هذا الاستعراض السريع يرتسم ظل القدرة القادرة، ويلقى في الحس إيحاءاته المؤثرة العميقة.
قال تعالى: " وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عنها وهم معرضون* وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون* أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون)(2)
يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض، وقال الحسن البصري إن الذي لا يؤمن بالله وهو مشرك: ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس وهو مشرك بعمله,و في الحديث: ( من حلف بغير الله فهو مشرك ) و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من علق تميمة فقد أشرك )، أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون؟
(1)البقرة:28 (2) يوسف:105+106+107
قال تعالى: "وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون"(1)
أي:ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)(2)
إنما يقربكم عند الله زلفى الإيمان والعمل الصالح.. فعندها تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ومن كل شر يحذر منه.
ما الجزاء الذي سألقاه؟
قال تعالى: " قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا "(3)
هذه الآية تهديد للمشركين ووعيد لهم، فكل إنسان يعمل على دينه وعلى نيته، وسيجزى كل عامل بعمله فإنه لا تخفى عليه خافية.
ويقول تعالى: " أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير" (4)
ويقول تعالى: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون" (5)
(1)سبأ:37 (2) مسند أحمد (3) الإسراء:84 (4) آل عمران: 162 (5) الأنعام: 160
يفسره حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شئ فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة) (1)
واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام، تارة سيتركها لله فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى وهذا عمل ونية ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ينو خيرا ولا فعل شرا، وتارة يتركها عجزا وكسلا عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه)(2)
وكما في قوله تعالى: " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" (3)
يقول تعالى: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون"(4)
(1) صحيح مسلم (2) صحيح مسلم (3) الزمر:9 (4) الجاثية: 21
قال تعالى: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"(1)
أي: لا لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قرأ هذه الآية:
(هل تدرون ما قال ربكم؟) قالوا:الله ورسوله اعلم. قال: (يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة)
قال تعالى: "أفنجعل المسلمين كالفجار" (2)
أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء.. كيف يظنون ذلك؟!
مادام أن الملائكة تعبد الله دون عصيان.. فلماذا أوجد الله الدنيا؟
يقول تعالى: " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين"(3)
يخبر تعالى انه خلق السموات والأرض بالحق،أي بالعدل والقسط ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولا لعب.
ويقول: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" (4)
أي أفظننتم أنكم مخلوقون بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، وقيل: للعبث، أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم التي لا ثواب لها ولا عقاب؟؟ إنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل، وستعودون في الدار الآخرة.
(1)الرحمن:35 (2) القلم: 35 (3) الأنبياء:16 (4) المؤمنون:115
متى سيهلك الله العصاة؟
يقول تعالى: " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم* ما تسبق من أمة أجلها وما يستئخرون)(1)
يخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاته ولا يتقدمون عن مدتهم.. وهذا تنبيه للناس للإقلاع عما هم عليه من الشرك والمعاصي.
ويقول تعالى: " فذرهم في غمرتهم حتى حين* أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين* نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) (2)
يخبرنا الله تعالى عن أولئك الذين يحسبون أنهم مهتدون بما هم فيه من الضلال ولهذا يتوعدهم الله تعالى بأن يبقوا في غيهم وضلالهم إلى حين هلاكهم، ويقول تعالى: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون، لقد أخطئوا وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه) قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال
( غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان
(1)الحجر 4+5 (2) المؤمنون: 54_56
زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)(1)
يقول تعالى: " ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه* وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا" (2)
يقول تعالى: وأي عباد الله ممن ذكر بآيات الله فتناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالا، ونسي ما قدمت يداه من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة، وأن الله تعالى جعل على قلوب هؤلاء أغطية لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان وفي آذانهم صمما معنويا عن الرشاد فلن يهتدوا أبدا مهما دعوتهم للهدى.
ما مصيرهم يوم القيامة؟
يقول تعالى: " أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور* وحصل ما في الصدور* إن ربهم بهم يومئذ لخبير"(3)
ويقول تعالى: " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا* يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلا* لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا"(4)
يخبر الله تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفا، ويتحسر
(1)مسند احمد (2) الكهف:57 (3) العاديات: 9_11 (4) الفرقان:27_29
على انه لم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أن أصحابه كانوا من الذين صرفوه عن الهدى وعدلوا به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، فقد أضلوه من القرآن الكريم بعد أن وصل إليه بفضل الله تعالى، وهذا هو عمل الشيطان يخذل الإنسان عن الحق ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه.
قال تعالى: " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين "(1)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم في النار سواء، فيغضب الله غضبا لم يغضبه لشئ فيما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة)
قال تعالى:" وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا "(2)
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد للناس
هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لاشك فيه، فمن شاء
فليؤمن ومن شاء فليكفر هذا من باب التهديد والوعيد الشديد،
(1)الحجر:2 (2) الكهف:29
لهذا قال أنا رصدنا للكافرين نارا محيطة بهم فإذا جاع أهل النار استغاثوا، فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها، فاختلبت جلود وجوههم، فلو أن مارا مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها! ثم يصب عليها العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ولهذا قال تعالى بعد هذه الصفات العجيبة الذميمة (بئس الشراب).. وساءت النار منزلا ومقيلا ومجتمعا وموضعا .