إن الذين لا يتدبرون النظام الكوني الموحي بأن لهذا الكون خالقا ومدبرا، لا يدركون أن الآخرة ضرورة من ضرورات هذا النظام، يتم فيها تحقيق القسط والعدل، كما يتم في إبلاغ البشرية إلى آفاقها العليا. ومن ثم فهم لا يتوقعون لقاء الله، ونتيجة لهذا القصور يقفون عند الحياة الدنيا، بما فيها من نقص وهبوط، ويرضونها ويستغرقون فيها، فلا ينكرون فيها نقصا، ولا يدركون أنها لا تصلح أن تكون نهاية للبشر، وهم يغادرونها لم يستوفوا كل جزائهم على ما عملوا من خير أو اجترحوا من شر، ولم يبلغوا الكمال الذي تهيئهم له بشريتهم والوقوف عند حدود الدنيا وارتضاؤها يظل يهبط بأصحابه ثم يهبط، لأنهم لا يرفعون رؤوسهم إلى قمة، ولا يتطلعون إلى أفق.. إنما يخفضون رؤوسهم و أبصارهم دائما إلى هذه الأرض وما عليها! غافلين عن آيات الله الكونية التي توقظ القلب، وترفع الحس، وتحفز إلى التطلع والكمال.
لماذا نؤثر الدنيا على الآخرة؟
قال تعالى: " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون"(1)
إن أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة كأن احدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة، قال الحسن البصري: والله ليبلغ من احدهم بدنياه انه يقلب الدرهم على ظهره، فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي
(1)الروم:7
ويقول تعالى: " ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين* أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون" (1)
يزيد في هذه الآيات وصف الذين فضلوا الحياة الدنيا على الآخرة بأن الله تعالى طبع على قلوبهم فهم لا يعقلون بها شيئا ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئا فهم غافلون عما يراد بها
ويقول تعالى: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم لا يبخسون* أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون" (2)
قال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يقضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة.
ويقول تعالى: " إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون* أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون" (3)
قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها.. بأن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام.
(1)النحل: 107+108 (3) يونس:7+8 (2) هود:115+116
ما حقيقة الحياة الدنيا؟
يقول تعالى: " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الزراع نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" (1)
يقول تعالى هنا موهنا أمر الحياة الدنيا ومحقرا لها فإنما حاصل أهميتها عند أهلها هذه الأمور التي جاءت في الآية فهي فانية وزائلة مثل المطر الذي يعجب الزراع نباته فيحرص عليه لكنه يهيج ويصفر بعد ما كان خضرا نضرا ثم يكون كله حطاما يابسا، وهذه الحياة الدنيا تكون أولا شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزا شوهاء وزائلة إلى الآخرة الباقية.
ويقول تعالى: " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" (2)
يخبرنا تعالى عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو ولعب وإن الحياة الآخرة هي الحياة الدائمة، الحق الذي لا زوال له ولا انقضاء، فلو كانوا يعلمون لآثروا ما يبقى على ما يفنى.
(1)الحديد: 20 (2)العنكبوت:64
يقول تعالى: " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا* وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا"(1)
قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)(2)
ويقول تعالى: " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا" (3)
قال تعالى: "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب" (4)
يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة أشد، كما ثبت في الصحيح انه صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه فقد قال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وان أمرها أطاعته، وان غاب عنها حفظته في نفسها وماله)(5)
(1)الكهف 7+8 (3) الكهف:45 (5) صحيح مسلم (2) مسند احمد (4) آل عمران:14
وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) وحب المال تارة يكون للتكبر والخيلاء والفخر والتجبر على الضعفاء،فهذا مذموم.. وتارة يكون للنفقة في القربات ووجوه الطاعات فهذا ممدوح محمود شرعا، وحب الخيل ثلاثة أقسام: تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون،و تارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر، وتارة للمتعفف واقتناء نسلها، وحب الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم وحب الحرث أي الأرض المتخذة للزراعة وهذه كلها إنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة وعند الله حسن الثواب.
ويقول تعالى: " المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" (1)
قال ابن عباس: الباقيات الصالحات الصلوات الخمس، والباقيات الصالحات هن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. هذا ما اجمع عليه السلف.. وقيل جميع أعمال الحسنات هن الباقيات الصالحات.
يقول تعالى: " يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار" (2)
(1)الكهف: 46 (2)غافر:39
ما مصير مؤثر الدنيا على الآخرة؟
يقول تعالى: " الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد" (1)
ويقول تعالى: " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا" (2)
يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، وفي الآخرة يدخل جهنم حتى تغمره من جميع جوانبه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه لأنه اختار الفاني على الباقي.
مدحورا: أي مبعدا مقصيا حقيرا ذليلا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له)(3)
يقول تعالى: " فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى" (4)
ويقول تعالى: " وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون" (5)
يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الآخرة من النعيم العظيم المقيم، أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة
(1)إبراهيم:3 (2)الإسراء:18 (3) مسند أحمد (4) النازعات: 37+38+39 (5) القصص:60
وكما قال تعالى: " بل تؤثرون الحياة الدنيا* والآخرة خير وأبقى"(1)
أي تقدمونها على أمر الآخرة وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم، وثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دانية فانية والآخرة شريفة باقية فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى ويهتم بما يزول عنه قريبا ويترك الاهتمام بدار الخلد والبقاء؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى)(2)
ويقول تعالى: " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب" (3)
كيف نتعامل مع محب الدنيا؟
يقول تعالى: " فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا" (4)
يأمرنا الله تعالى فيقول أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره، فإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، وطلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه
.. وفي الدعاء المأثور ( اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)
(1)الأعلى:16+17 ( 2) مسند أحمد (3) الشورى:20 (4) النجم:29
قال تعالى: "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع"(1)
يقول تعالى: دع الذين اتخذوا دينهم لعبا وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، وذكر الناس بهذا القرآن وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة، لكي لا تسلم للهلكة وتحبس عن الخير
لماذا يحذرنا الله من حب الدنيا؟
يقول تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور"(2)
يقول تعالى منذرا للناس يوم المعاد، وآمرا لهم بتقواه والخوف منه والخشية من يوم القيامة حيث لو أراد والد أن يفدي ولده بنفسه لما قبل منه والعكس، ثم عاد بالموعظة فيقول لهم لا تلهيكم الطمأنينة في الحياة الدنيا عن الآخرة ولا يغرنكم الشيطان فإنه يعد ابن آدم ويمنيه، وليس من ذلك في شئ.
قال عزير عليه السلام: لما رأيت بلاء قومي اشتد حزني وكثر همي وأرق نومي، فتضرعت إلى ربي وصليت وصمت، فأنا في ذلك التضرع أبكي، إذ أتاني الملك فقلت له خبرني هل تشفع أرواح الصديقين للظلمة أو لآبائهم أو لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء، وملك ظاهر ليس فيه رخصة لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ
(1)الأنعام:70 (2) لقمان:33
عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد به بغيره، ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان على إنسان، كل يهمه همه، ويبكي عوله ويحمل وزره ولا يحمل وزره معه غيره. رواه ابن أبي الحكم.