بعد فترة قدرت مريم تزور مشاري في الحاير..في الغرفة الخاصة للزيارة دخل عليها ,فزت كل مشاعرها ..
كانت دموعها تخنق صوتها ...تضمّه بشوق الكون كلّه ..أكثر من ربع ساعة ,ما كانت جدران الغرفة
تردد سوى لهاث وصياح مريم وصمت مشاري!!!
بعد ما سكتت مريم ,جلست على الكرسي ويديها بيدين مشاري ..كان مشاري يرفع عيونه لها وينزلها بسرعة ...
تشوف أثار التعذيب النفسي في عيونه ...تسأله: اعترفت؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يرد عليها وعيونه بالأرض :غصب عني يا مريم..حتى أحتفظ ببعض كرامتي ...نزلت راسها وبكت وصوتها يردد :
ما عاش من يمس كرامتك يا عمري ,,ههههههههههه كانت هذي ضحكه مفتعله وساخرة
في نفس الوقت لها طعم الحنظل من فم مشاري ..تنهد بعدها وقال:مريم,عشت الذل...
عاملوني كأنني حيوان..كان لازم أعترف ..والله لو طلبوا أني أعترف بجرايم العالم كلها اعترفت!!!!!...
بس يتركون لي شوي من كرامتي أعيش فيه ..شوي من إنسانيتي أقدر أفرق فيه بيني وبين الكلب
أو حتى الفار !!!!!!!
تحاول مريم تغير الموضوع...تعاتبه...تسامحه...تقول له: نادت مشاري...فجأة يبكي مشاري !!..
أول مرة بحياتها تشوف مشاري يبكي ..تضمّه لصدرها تحاول تهديه شوي ..تمسح دموعه..
توعده أنها تنتظره..تقنعه أنه ما راح يجلس كل المدة .. يرفع مشاري راسه لمريم ويقول:
واللي يرحم والديك يا مريم اهتمي بمشعل وريم ..وديم لازم تحفظ أسمي ...
لا ينسوني يا مريم..مريم واللي يرحم أهلك لا تنسين كلامي!!!
أنذهلت مريم من مشاري أول مرة بحياتها تشوفه منكسر ..أول مرة من تزوجها يناديها مريم أكثر من مرة!!!! ..
كان أكثر كلام مشاري متقطع بسبب حالة البكاء اللي يعيشها
رجعت مريم للبيت ...كان البيت مثل السجن ,ما كانت تفرح إلا إذا زارتها جود أو أبو مشاري..
حتى صديقاتها على قلتهّن ,فقدتهن ولا وحده منهن فكرت في زيارتها أو حتى الاتصال عليها!!!!
في الحاير يذوي قلب ويموت إحساس ويتعذب فكر ويتبلد جسم مشاري كل يوم أكثر فأكثر ,
بسبب سوء المعاملة والوسط اللي طول عمره ما عاش فيه ...حس مشاري أن كل يوم يمر يموت فيه
إحساس جميل ويولد مكانه إحساس من أحاسيس الغابة وقوانينها ...وتحت تأثير الانكسار النفسي لمشاري
وإحساسه بأنه فقد كينونته كأنسان وكرجل يستاهل أن يكون زوجاً لملكة الكون مريم كما يراها هو !!!!
قرر مشاري طلاق مريم بلحظة يأس ممتدة بطول أيامه الطويلة في السجن ..لا يريد لها أن تدفن
زهرة شبابها لمدّّة 17 سنة!!ما كان مشاري يتخيل مريم تكفن كل يوم بحياتها مع الفجر بانتظاره ..
كان إيثاره أن تعيش مريم حياتها بسعادة هو الحافز الظاهري..كان انكساره واحتقاره لنفسه وإحساسه
الكاذب بأن مريم ,صارت تحتقره هو حافز عقله الباطن .
في آخر زيارة لها كان مشاري جاف في تعامله معها ...حسّت فيه ,كانت تعرف وش فيه بدون ما يتكلم
طلبت أنه ينام معاها ..كانت تموت من الشوق والوله له كل ليلة ,كيف الآن وهو قدامها ..
ما كان مشاري يقدر لأنه يحس أن كل أحاسيسه ماتت,كل شي بجسمه مات..ما كان...!!!
وفـ....ليلة سرمديّة الانكسار والجرح والحزن ,مسك مشاري القلم ونزف من
قلبه الرسالة الأخيرة لمريم:
طالق!!يا أغلى ما بالكون..طالق..يا أحلى سنيني
طالق يا دنيتي وروحي..طالق يآخر أنفاسي
طالق!!!حبيبتي مريم...حرام أنّك....تضمّيني
بعد ما دنسوا جسمي...بعد ما أنحنى راسي
طالق يا أنقى ما بالكون..حرام ألمسك بأيديني
خلاص ريووومتي ما عدت!!!..بعد ماأغتالوا إحساسي
ما كان مشاري يطّلق مريم بالقصيدة وبس!!...لا....كان وبكل بساطة يطّلق الحياة كلها !!!!
وصلت ورقة الطلاق لمريم بعد ما أنهى فهد أخو مشاري كامل الإجراءات ...انهارت مريم..آخر حاجة بالدنيا
تتوقعها الطلاق ..تتمنى الموت عليه...أصيبت بحالة هستيرية ,أخذوها للمستشفى ..
وهناك ما نامت إلا بعد ما زادوا جرعة الفاليوم !! وصل الخبر لأبو مشاري ,تضايق لأن مشاري ومريم كان لهم مكانه خاصة عنده..
طلب زيارة خاصة لمشاري ,حاول يقنعه ولا قدر ..مشاري اللي ما كان يرفض طلب لأبوه هالمرة رفض!
رجع أبو مشاري للمستشفى ..كان يتمنى أنه يرجع ومعاه البشارة لمريم أن مشاري تراجع عن الطلاق ..
لكن للأسف ما قدر , دخل عليها في المستشفى ..كانت عندها جود ..سلم عليها حاول يعتذر له
تفاجأ بمريم ترد عليه:والله العظيم عاذرته ومقدرة ظروفه وإن شاء الله بس تهدى نفسيته بيرجعني أكيد !
مريم كانت تمني نفسها بالكلام اللي قالته أكثر ما كانت تتوقع أنه يصير ,لأنها كانت تعرف مشاري
عنيد إذا قرر قرار ما يتراجع عنه ..بعد مده طلعت من المستشفى مع أبو مشاري ..دخلت بيتها ,هالمرة
مو بس سجن هالمرة تحس أهنا دخلت للجحيم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى!!
في كل نظرة لها لأي مكان تحس بالبراكين تنفجر داخلها ..طلب أبو مشاري منها تجلس باليت
لأنه بيتها هي وأولادها وإذا طلع مشاري إفراج مثل ما يقولون !...رفضت مريم حتى التفكير في كلام أبو مشاري
لأنها كانت مذبوحة من الوريد للوريد هذا غير كلام الناس ونظرة أهل مشاري والمحيط اللي تعيش فيه ..
حاولت جود تقنعها ..بكت ,ترجتها تجلس وكرامتها محفوظة ,,قالت أنها تجي تعيش معها ..لكن مريم أصرت
على أنها تروح لبيت أهلها !!! رجعت مريم لبيت أهلها اللي طلعت منه قبل 8 سنين ومعها ثلاث أطفال وأربع شنط وبقايا
أنسانه أسمها مريم!!!
أول ما دخلت البيت ,رمت نفسها على صدر أمها المريضة ,بكت عليه الليل كلّه لين نامت بحضنها
زي ما كانت تنام فيه وهي طفلة !!!!
تبدلت حياة مريم كلياً..صارت تحس أنها في بيتها ضيفة غير مرغوب بتواجدها!!كانت عيون
بدور تقول أنها أثقل من الموت عليها ...كانت عيون ثامر تحمل لامبالاة غريبة لأخته..أما عيون أمها فهي
خليط من العجز والحزن والخوف على مصير مريم المجهول!!!!!
عاشت مريم حياتها الجديدة لا تفارق غرفة أمها ..نزل وزنها بشكل ملحوظ..أصبحت هزيلة جداً
تحاول منع أطفالها من الخروج من غرفتها أو غرفة أمها إلا وهي معهم...بعد أن أصبحت بدور
تضرب أي واحد منهم لأي تصرف يتصرفونه ولا يوافق هواها ,حتى ديم ذات السنتين لم تسلم من ي
د بدور القاسية..اشتكت مريم لأمها ,والتي أخبرت ثامر بما يحدث ..فما كان منه إلا أن قال:بدور ما تخطي
وبعدين البزارين ما هم متربين خليها تربيهم!!!!!!!! سمعت مريم كلام أخوها تأكدت أن ماوراه الخير!!
حاولت أنها تدوّر بيت يضمها هي وعيالها وأمها ..لكن الفلوس اللي يرسلها أبو مشاري ما تكفي !
حاولت تدور وظيفة ..لكن شهادتها ثانوي وصار لها عشر سنين متخرجة..يعني مافيه أمل ..
غير كذا عارضت أمها الفكرة من أصلها .
زارت جود مريم زي كل شهر ..وسألتها عن مشاري قالت جود:والله يا مريم حالته من سيئ لأسوأ
حتى بعض الأحيان يرفض زيارتنا له!! بكت جود وبكت معها مريم ..قالت جود:والله يا مريم، زميل مشاري
بالزنزانة يقول لأخوي ماجد أنه دايم يحلم بالليل وينادي مريم ،،مريم مشعل ..أمانة يا مريم
ما فيه أحد يعرف مشاري أكثر منك شوفي حل تكفين!!!
قامت مريم وكتبت رسالة لمشاري تذكر فيها جميع العهود والمواثيق اللي بينهم ..كتبت كل موقف
بينهم حلو وجميل ..ذكرته بكل أيامهم الحلوة ..وآخر شي بالرسالة قالت أنها تنتظره لآخر العمر ..
أخذت جود الرسالة ..كانت طايرة من الفرح لأنها تتوقع أن مشاري راح ينبسط على الرسالة!!!!
وصلت جود الرسالة لمشاري ...قطّعها قبل حتى ما يكملها ..أنصدمت جود بس ما قدرت
تقول شي لمشاري ..زارت مريم وقالت لها عن اللي صار ..ما ردت مريم عليها ،لكنها حست أن
عمرها كان موجود بين حروف الرسالة اللي قطّعها مشاري...فقدت الأمل في مشاري وأنها في
يوم راح يرجعون لبعض!!!!
بعد الصدمة حصرت مريم العالم بأمها وعيالها ..حتى أخوها ثامر يمر اليوم والأسبوع وهم ببيت واحد
ولا تفكر حتى تشوفه..صارت تتجنب أي احتكاك مع بدور ..
حتى
جا ذاك اليوم اللي أنحفر بذاكرة مريم !
كانت مريم جالسة عند أمها ..سمعت صياح مشعل وسمعت صوت بدور وهي تسب وتشتم ،
ما تحركت مريم لأنها عارفة أن بدور تضرب مشعل لأي سبب تافه ..زاد صياح مشعل،قالت لها أمها:
قومي شوفي ولدك لا يصير فيه شي !!..طلعت مريم إلا ثامر توه جاي من الدوام وبدور قاعده تضرب مشعل
بعصا المكنسة والدم يسيل من خشمه ...أنجنت مريم ركضت تبي تبعد بدور عن مشعل ، قامت بدور
ضربتها بالعصا على راسها ..طاحت مريم على مشعل ..ناظرت لثامر تبي تشوف وش يسوي لبدور ..
وقف ثامر يناظر لبدور وسألها : وش صار بدور؟؟؟ردت بدور بحدة :يعني وش صار؟؟!! الحيوان مشعل
كسر صحن من الطقم الصيني!!!!!رد ثامر:اللي أخطا يستاهل اللي يجيه!!
مريم حست كأن ثامر طعنها بكلامه ..شالت مشعل وراحت تبكي لأمها ..
كان تصرف ثامر يعني موتها الثاني لها !!!
ثمان شهور مرت على مريم في بيت أهلها كنّها ثمان سنين ..جسمها نحل ،
جود تقول لها بآخر زيارة يا مريم أنتي كنك كبرتي ثمان سنين بثمان شهور بس!!!!
وفـ..يوم جتها على غير العادة بدور ..قالت لها تعالي أبيك بغرفتي ضروري..استغربت مريم من طلب
بدور ،عرفت أن فيه شي ..تذكرت أن لها أكثر من ثلاث سنين ما دخلت غرفة بدور !!!!
قالت بدور : شوفي السالفة باختصار ثامر مديره بالشغل أسمه أبو أحمد،توفت زوجته بالجلطة
من خمس شهور ...وأمس جا يخطبك من ثامر...أبو أحمد رجال غني والشغل ماخذه من باب الوجاهة
وأشغال الفراغ وإلا هو صاحب مكتب عقارات وتاجر بعد، ما عنده إلا خمس عيال أصغرهم
عمره أربع سنين وترى بعد هو ماهوب كبير عمره 48 سنة بس !!!
قالت كل الكلام دفعه واحدة
بدون ما تترك لمريم الفرصة بالرد..ناظرت مريم لبدور ولأول مرة تشوفها مبتسمة من قلب ...
كانت عارفة أن أمنيّة بدور أنها تتخلص منها ومن عيالها،،ما ردت مريم!!
قالت بدور ترى أبو أحمد فرصة ما تنعوض لوحدة مثلك ...وبعدين أنتي لمتى تبين تجلسين هنا
خاصة أن مشاري حتى لو طلع ما راح يرجعك لذمّته!!!
بلعت مريم الإهانات اللي قذفتها بدور بوجهها ..وراحت بكت على صدر أمها ،،
قالت أمها : مريم يا بنيتي والله لو أموت غير بدور ترميك بالشارع أنتي وعيالك !!مشاري ما هو راجع لك
وأنتي توك شباب عمرك 32 سنة مو معقولة تظلين بدون زواج !!!..
جلست مريم أكثر من أسبوعين تفكر بكلام أمها وكلام بدور ،بدور كانت كل يوم تعيد لها نفس الأسطوانة !!
كان شرط أبو أحمد الوحيد أنها ما تجيب عيالها معها !!..كل ليلة تضم عيالها معها وتبكي ..
وفـ..لحظة ضعف تمنّت الموت وفكرت بالانتحار لكنها استعاذت من الشيطان.
زارتها جود ..قالت لها عن الخطبة ،زعلت جود لكنها تفهمت الوضع ..قالت لمريم :بس ترى أبوي
بياخذ العيال عندنا ،لأنه ما راح لا هو ولا مشاري يتركهم يعيشون في بيت واحد غريب.
كانت ضغوط بدور تزيد عليها كل يوم ..آخر شي صارحتها بكل وقاحة: أسمعي يا مريم هذا بيتي
وأنا ما أبيك فيه أبي أكون حرّه فيه وثامر أنتي شايفه ما يقدر يقول لي لا..فأحسن لك لا تفوتين
الفرصة عليك ترى ما كل يوم بتجيك نفس الفرصة!!!
كانت مريم تعرف أن بدور صادقه في كلامها،عشان كذا ترجتها أنها تتركها مع أمها وبالنسبة
للأطفال راح ترسلهم لجدهم ...لكن كان رد بدور قاسي جداً:شوفي مريم مادام بدينا نتكلم بصراحة,
بقول لك شي زمان كنت مخبيته عليك, من دخلت البيت وأنتي بثاني ثانوي وأنا أكرهك..ما أطيقك ..
أتمنى أشوف الموت ولا أشوفك!!!..مريم:بس يا بدور أنا ما سويت لك شي بالعكس أنا كنت
أحترمك من احترامي لأخوي ثامر.
تنهدت بدور ..حسّت أنها شالت شي ثقيل من على صدرها وحست بقرب انتصارها على مريم!!..
قالت شوفي يامريم، زبدة الكلام وحتى ما نخسر بعض أكثر ، أنتي لازم تتزوجين أبو أحمد..
وصدقيني بكرة بتدعين لي .. أنا الليلة بأقول لثامر أنّك موافقة عشان يجي أبو أحمد يخطبك رسمي!!!
وافقت مريم على الزواج لما سألها أخوها ثامر،لمّا عرفت أنّه الحل الأخير لإنقاذ حياتها
من الضياع ورغبتها عدم تكدير صفو حياة أخوها ثامر !!
كانت بدور أكثر وحدة فرحانة في البيت عشان الزواج..ثامر بعد مبسوط خاصة أن
أبو أحمد مديره في الشغل ..يعني بيكون له وضعيته الخاصة في الإدارة ..وغير هذا أبو أحمد
ممكن يصير له مصدر دعم مادي ومعنوي في المجتمع!!!