(الجزء الثاني)
كانت المأساة بعد أول محاولة لأختصار الطريق...
وصلنا إلى منطقة ضيقة بين جدرين لكنها فتحة تكفي لمرور سيارتنا...
أمام تلك الفتحة لوح خشبي كبير ملقاً على الأرض..
عبرنا الفتحة و دسنا على اللوح الخشبي ليصدر صوتاً عالياً...
خشيت على سيارتي أن يصيبها مكروه...
كنت أفكر فيما قد يصيب السيارة جراء ذلك اللوح...
انقطع تفكيري حين تنبهت لطفل يجلس وحيداَ...
كان ينظر إلينا بذهول..
ربما لم يعتد على رؤية سيارة فارهة كسيارتي...
فجأة وجدت نفسي أمام سور يسد الطريق أمامي...
يا إلهي.. أين أنا؟!! وما هذا الطريق المسدود...
كانت الإجابة متجسدة في صبية يركضون أمام سيارتي...
عبروا الطريق من أمامي ليختبئوا في الجانب الآخر...
تبعتهم بنظري لأراهم يدلفون إلى منزلهم..
لم يكن المنزل أكثر من غرفتين متقابلتين..
خرج الأطفال مرة أخرى..
وقفوا أمام الباب.. كان لهم جلبة و لغط..
يشيرون إلى الجانب الآخر و يصرخون..
نظرت إلى مازن !!
ما لهؤلاء الأطفال و كان عفريتاً زارهم..
كان مازن مشدوهاً ينظر إلى الجهة الأخرى و قد فغر فاه...
التفت إلى حيث ينظرون!! لأرى الشمس تشرق من جديد...
هناك..
تغير كل شي في حياتي..
كانت نقطة تحول في كل شي..
كانت لحظة تغير في علاقتي و نظرتي للفقر و الفقراء..
كانت لحظة تحول حتى في نوع الرابط الذي يربطني بمازن...
رأيت فتاة في ريعان الصبا...
كلمة "جميلة قليلة في حقها..بل رائعة بحق..
هي حتماً حورية...
كان تدور حول نفسها في فزعٍ شديد..
تتحرك كطير أسير و كأن نظراتنا هي الشَرَك الذي اصطادها...
تحاول أن تغطي جسدها بأي شيء...
وضعت يديها حول جسدها بشكل متقاطع علَّ ذلك يشعرها بالأمان...
نظرت إلينا بحركة سريعة فوجدتنا ننظر إليها...
زادها ذلك توتراً و رعباً فحاولت أن تختبئ ..
حاولت أن تحتمي بأي شيء
حين عجزت عن ذلك جثت على ركبتيها و غطت وجهها بكفيها...
ثواني هي مدة نظري إليها لكنها بدت كعمر جميل...
فجأة!!
حضر أحد الصبية راكضاً باتجاه الفتاة...
كان يمسك في يده بقطعة قماش يجرها خلفه جراً...
ناولها للفتاة و وقف بيننا و بينها, ينظر إلينا بصرامة طفلٍ مذعور...
غطت الفتاة ما أمكن من جسدها بقماشٍ لم يكن كافياً ليستر..
احتضنتَ الطفل ويبدو أنها كانت تبكي...
أخيراً!!
تنبهتُ للأمر...
لم نكن في أحدى الطرق الضيقة...
لم نكن في "زقاق"يؤدي إلى المسجد..
لقد خرجنا عن الطريق..
و بعنجهية النفس الإنسانية اقتحمنا حرمة بيت أحدهم..
ضاقت بنا الأرض لنخرج على أوسع عالمٍ لسوانا...
لقد دخلنا إلى بيتهم!!
كانوا يلعبون في فناء منزلهم..
يقضون فترة العصر في أمان حين هتكنا سترهم..
وضعت يدي على رأسي مما فعلت..
وعيت على صوت مازن و هو يردد"أخرج من منزلهم"
عدت للخلف مسرعاً..
وهذه المرة لم أبالي لو احترقت سيارتي ...
خرجنا و نحن نستغفر من هذه الذلة...
يعلم الله أننا لم نتعمد ذلك..
رحلنا و الألم يعتصر قلوبنا.. يكاد الندم أن يعصف بنا...
أصبحنا كالذين يستغلون ضعف الغير لمآرب دنيئة...
لكن ما حدث م يكن مقصوداً... كان الخطأ غير متعمد...
الم يقل الرسول" رفع عن أمتي الخطأ..." أو كما قال عليه الصلاة و السلام..
لكن صوت آخر يدوي في رأسي.. يشككني فيما حدث...
هل هو فعلاً خطأ؟ أم سولت لنا أنفسنا بشر..
لمَ لم نغض الطرف؟
لمَ لم نغادر مباشرة؟!!
أوقفنا البحث عن طرق مختصرة...
سلكنا ذات الطريق الذي أتينا منه إلى مسجد...
وصلنا إلى المسجد و قد قامت الصلاة...
توضأنا و أدركنا الجماعة...
كنت أنوي بعد الصلاة أن أتحدث مع إمام السجد...
سأشرح له خطأنا و سأبحث عن صاحب المنزل لأعتذر منه...
سأخبره أنني ما قصدت ذلك و لن أبرح حتى يغفر لي...
لابد أن يصفح عني فقد وقع بصري على حرمة بيته...
لقد نظرت إلى أبنته الجميلة...
هي جميلة بحق...
هنا أدركت أن تلك النظرة فعلت في نفسي شيئاً...
لكنني لم أتوقع أنها ستغير من نظرتي لأمور كثيرة...
أنتظرووووووونييييييييييييي