الحكواتي : هكذا حال الناس في بغداد في سالف العصر والأوان حين كان الخليفة شعبان المنتصر بالله ووزيره محمد العبدلي على وفاق . وكذلك كان حالهم حين بدأ بينهم الخلاف والشقاق . وفي البداية كان الخلاف سرا ، ثم انفجر ، وبدأ يشيع في ردهات القصور ، وينتقل منها إلى المدينة وأسماع الناس . وكان عند الوزير محمد العبدلي مملوك يقال له جابر . ولد ذكي .. وذكاؤه وقاد . أينما حل يحل معه اللهو والمجون . وكان كأهل بغداد آخر من يعينه ما يجري بين الخليفة وسيده الوزير .
( يدخل ممثلان يحملان قطع ديكور بسيطة جدا ، تمثل ما يشبه رواقا في قصر بغداد ، ويمكن هنا وفي كل المشاهد التالية الاستعاضة عن قطع الديكور بلوحات مرسومة ، بعد تركيب المشهد . يلتقي الممثلان في المقدمة . الأول يمثل المملوك جابر ، شاب تجاوز الخامسة والعشرين من عمره ، معتدل القامة ، شديد الحيوية ، يمتاز بملامح دقيقة وذكيه وفي عينيه يتراءى بريق نفاذ يوحي . بالفطنة والذكاء . أما الثاني فهو المملوك منصور في حوالي الخامسة والثلاثين من عمره أو أكثر قليلا . قامة قصيرة وبنية قوية . ملامح تشف عن وداعة وطيبة ) .
جابر : ( يتقدم نحو رفيقه لاهيا .. مدندنا ) عندما أصبح للمسلمين خليفة ، سأسميك وزيرا للدولة .
منصور : هس .. لو سمعك سيدنا وهو في هذه الحالة ، لأمر بجلدك حتى يهترئ جلدك .
جابر : ( يفرك مؤخرته بباطن كفه ، وكأنه يساط فعلا ) ولم كفى الله الشر !.
منصور : ألا ترى ما يجري سيدنا الوزير متكدر المزاج للغاية .
جابر : أعرف أنه متكدر المزاج . وأن الحظ يبتسم لجاريته شمس النهار .
منصور : ولماذا يبتسم الحظ لجاريته شمس النهار ؟.
جابر : ( هامسا في أذنه ، وعلى وجهه تتخايل ابتسامة الخبث ).
لأن سيدنا الوزير لا يشبع من وصالها عندما يتكدر مزاجه . لو استمر الحال كذلك فستصبح شمس النهار سيدة كل شيء في هذا القصر .
منصور ( يهز رأسه ) كف عن الهزار يا جابر .
جابر : وحياتك ليس هذا خادمتها زمرد هي التي تنقل إلى الأخبار .ولقد روت لي أشياء وأشياء ( تبرق عيناه ) آه ... من هذه البنت يا منصور لها طريقة لا تجارى في رواية الأخبار ( يؤدي مع الكلام حركات تمثيلية ) تغمز ، وتضحك ، ويتثنى جسدها مع الكلام حتى يغلي دم السامع في كل مرة أراها تجعلني أخور كالثور إنها محنكة كسيدتها . تمنيني بالوعود ، لكنها لا تترك لي سبيلا للوصول .
منصور : ( متأففا ) انظروا ماذا يشغله الآن !.
جابر : وماذا تريد أن يشغلني ؟.
منصور : ألا ترى أن الأمور لا تجري على ما يرام ؟.
جابر : ومتى كانت الأمور تجري على ما يرام ؟.
منصور : هذه المرة يختلف الحال . تعقد الوضع ، وأصبح في غاية الاضطراب .
جابر : يستطيع الوضع أن يتعقد ، ويضطرب حتى يصبح كمياه دجله ، ولكن بعيدا عني . .
منصور : بعيدا عنك !! الأحوال تضطرب بيننا ومن حولنا . إن الخلاف على أشده بين الخليفة والوزير .
جابر : وما لنا نحن هل تريد أن نمنعهما من الاختلاف ؟.
منصور : ومن نحن حتى نتدخل بين الخليفة والوزير .
جابر : إذن .. ليختلفا ، وليفقأ كل منهما عين الآخر . لن ألطم خدي ، وأمزق ثيابي لأن الخليفة والوزير مختلفان.
منصور : هس ... ( ويلتفت حوله خائفا أن يكون حولهما سامع ) اغسل فمك ، وإلا رموا عنقك . لن أندهش لو رأيتك يوما مقطوع اللسان .
جابر : وأنا لن أندهش لو رأيتك مشنوقا لأسباب سياسية . أم نسيت أن المشانق في بغداد ، لا تنشطها إلا الأسباب السياسية . ما الذي يعينك في خصام الخليفة والوزير حتى تنشغل إلى هذا الحد ( لحظة وبحيوية ) اسمع .. لقد بدلت رأيي. .
منصور : بدلت رأيك ؟.
جابر : لا يعجبني اهتمامك بهذه الشؤون . ستكون بارعا في حوك المؤامرات لو سميتك وزيري .
( يبدأ منصور بالتأفف ، ويحاول مقاطعته لكن " جابر " يتابع بنفس المرح ) عندما أصبح خليفة ، سأبحث عن وزير غبي وأمين . ذلك أضمن .
هو .. هو .. بالله دعنا من مزاحك .
جابر : ولكن لا أفهم لماذا تبدو كالصوص الغارق في الماء ! كل هذا لأن الخليفة والوزير مختلفان .
منصور : وصل الخلاف حدا شديد العنف .
جابر : ينبغي أن يكون الخلاف شديد العنف ، كي يليق بخليفة ووزير .
منصور : وإذن لا تقدر الخطر الذي يحيط بنا ، النتيجة هي الأخرى ستكون عنيفة . من رأى سيدنا الوزير يخرج من الديوان أمس ، حسب أن عاصفة تهب . كان قاني العينين ، كامد الوجه ، يقضم شاربه بأسنانه .
جابر : إذا بدأ سيدنا الوزير يقضم شاربه بأسنانه ، فهو ينوي شيئا مريبا دون شك .
منصور : فور خروجه بادر إلى الاتصال بأصحابه . لا أحد يعلم ما يجري ، إلا أنني أشم رائحة خطر عظيم .
جابر : لو ذبح أحدهما الآخر ، فستصبح في بغداد وظيفة شاغرة .
منصور : ونحن ؟ .. هل فكرت ماذا سيحل بنا ؟.
جابر : ماذا سيحل بنا ننزوي جانبا ونتفرج .
منصور : قد تتفرج على جهنم قبل ذلك .. بالله كيف تريدنا أن نتفرج على فتنة تقع بين الخليفة وسيدنا الوزير .
جابر : كما يتفرج كل الناس .. نفتح أعيننا ونتسلى لمتابعة ما يجري .
منصور : ويريد أن نتسلى أيضا أما مجنون فكر في مصيرنا لو شبت نار الفتنة .
جابر : وما علاقة مصيرنا ؟ قد الوزير من الكمد ، أو يتوقف قلب مولانا الخليفة من الغضب أما نحن فلن تنفجر لنا مرارة ، أو يتوقف لنا قلب .
منصور : من السهل أن تقول ذلك ، ولكن لو اندلعت النار ، فسنكون الحطب الذي يغذيها .
جابر : يغذي النار من أوقدها .
اسمع . ولم لا تتدفأ بالنار بدلاً من أن تحرق أصابعك بها ؟.
منصور : لن نستطيع سيجروننا وراءهم ، ونجد أنفسنا فجأة وسط اللهب ، في النهاية نحن من يدفع الثمن .
جابر : وما أدراك قد نقبض بدلاً من أن ندفع .
منصور : أهذا ما تأمله ؟.
جابر : ولم لا لكل عملة وجهان والمهم أن تميل في الوقت المناسب إلى الوجه الكاسب ...
زبون 1 : ابن زمانه ...
زبون 2 : هذا المملوك شيطان .
جابر : ( أثناء حديث الزبونين يظل منغمراً في متابعة مجرى ما يريد قوله ... تبرق عيناه وقد خطرت له فكرة مفاجئة ) .
أقول لك ... تعال نتراهن ..
منصور : وعلام نتراهن ؟.
جابر : على الوجه الكاسب .. انتظر .. ( يزداد بريق عينيه ، وهو يفتش في جوبه ) .
اللعنة نسيت أني أعطيت كل ما أملك لزمرد آه من النساء ! يتجملن بنقودنا ، ليأخذن نقودنا مرة أخرى . ألديك قرش ؟ فتش في جيبك عن قرش .
منصور : ( يتابعه ببلاهة ) ماذا تريد أن تفعل ؟.
جابر : ( بمد يده ملحا والبريق يتقد فى عينيه ) هات قرشاً ، وسترى ...
منصور : لن أعطيك قرشا هكذا لوجه الله .
جابر : لا تخف قرشك محفوظ ، ولن آخذه .
( يخرج منصور على مضض قرشا من جيبه ، فيخطفه جابر ، ويفركه بين أصابعه . إنه بدأ لعبة . حركاته تتسارع وكذلك كلماته ) انظر ... الكومة كلها في هذا القرش ( يتوقف الخادم فجأة وهو يحمل صينية وينتبه ناحية الممثلين متابعاً لعبتهم باهتمام ) .
زبون : بعد من قدامنا يا أبو محمد .
( يغير الخادم مكانه ... بينما جابر يوالي كلامه ولعبته دون أن يتوقف ).
جابر : الخلافة والوزارة معا. الوجه الأول يمثل الخليفة ، والوجه الثاني يمثل الوزير ، كلاهما في هذا القرض ، فلنتراهن على الكاسب ( يرميه في الجو ثم يلتقطه، ويخفيه بين راحتى يديه ) أيهما تختار الوجه الأول أم الثاني ؟ الخليفة أم الوزير ؟ يا الله ... اختر أحد الوجهيين كل الدولة في هذا القرش ، الخليفة أم الوزير ؟ ( لحظة ) أخمن أنك ستقول الخليفة .
منصور : ( انساق مع جابر على غفلة منه . تفاجئه العبارة ) ما الذي يجعلك تخمن ذلك ؟.
جابر : أعرف كيف تفكر تحسب أن الخليفة هو دائماً أقوى لا ... لا ... تعتمد على ظواهر الأمور . فكم من خليفة لا يقدم ولا يؤخر مثقال ذرة . لخ من الخلافة اسمها وسرايا الحريم فقط معاذ الله ان أقصد مولانا الخليفة بسوء لكن أحذرك من الاعتماد على ظواهر الأور والآن ماذا قلت ؟ هل بدات تميل نحو سيدنا الوزير ؟.
منصور : ( ما يزال منساقا مع اللعبة ، وعلى وجهه انزعاج وشيق ) أميل نحو سيدنا الوزير جابر : ربما ... ولكن تذكر أن لهذا الأمر أياً مخاطر وإذا كانت مؤخرة الخليفة تملأ العرش وعلى مقاسه ، فقد راهنت على وجه خاسر .
منصور : ( منبهاً إلى نفسه ، بدأ يغضب ) لم أراهن على أحد ، ولم أقل شيئاً .
جابر : ماذا تنتظر إذن ؟ التردد هو الآخر له مغبته ، الخليفة أم الوزير ؟
منصور : (ملتفتا حوله ) .
أعوذ بالله ... أرجو أن أحداً لا يرانا أو يسمعنا .
جابر : هدئ أعصابك ، ولا تفسد الرهان ، الربح قرش ، والخسارة قرش وبينهما خليفة المسلمين ووزيرهم معلقان . فقل كلمة وخلصنا .
منصور : لعنة الله عليك ، لم أر في حياتي ماجنا مثلك . رد لي قرشي .
جابر : قد أكسبه لو أخطئت التخمين ماجنا مثلك رد لي قرشي .
جابر : قد أكسب . لو أخطئت التخمين يصبح قرشي .
جابر : ولماذا لا تفك عقدة وجهك يا منصور ؟ دعنا نتسل قليلاً . طيب .. إذا شئت سألعب بمفردى ، سأقول .. ( يتلكأ ) ماذا أقول ؟ وما الفرق النقل ... ( وبعد لحظة ) الخليفة ( يرفع كفه التي تخفي القرش ، وينظر يتخذ صوته طابعاً مأساوياً نادبا ) يا خيبتى إنه الوزير .. فليبك المسلمون إذن خليفتهم . أراهم يحزون عنقه ، ويسيل الدم كالنافورة .
منصور : ( مرتبكا . وفي غاية الحرج والضيق ) أستغفر الله العظيم ...
جابر : معنى ذلك أننا نرتفع مرتبة إذا علا مقام سيدنا الوزير ، يعلو أيضاً مقام مماليكه لكن شوطا واحدا يكفي السباق الصحيح لا يستقيم إلا بثلاثة أشواط والآن إلى الشوط الثاني لنرى القرش مرة أخرى ( يرمي القرش برشاقة ، يهم منصور بخطفه ، لكن جابراً يلتقطه كالمرة السابقة ويخفيه بين كفيه ) ساعدني يا منصور ، قل شيئاً .
منصور : لن أشترك في عبثك ومجونك ، الخطر يحيط بنا كالهواء وأنت تلعب رد لي قرشي.
جابر : انتظر ، انتظر يجب أن تعرف النتيجة . والآن ماذا أقول . لو تكرر ظهور الوزير تنتهي اللعبة ( موجها الكلام إلى القرش المختفي بين يديه ) على أي وجه تستقر أيها القرش ؛ ستقرر مصير دولة بأسرها أعرف أن تقلباتك مجنونة لا يحكمها ضابط ولكن قد يجعلنا الحظ نتلاقى ، وجدتك ميالاً وانظر ( ويبدأ برفع كفه تدريجياً ) بأي وجه ستطالعنا ... بأي وجه ... بأي وجه ؛ إنه الخليفة . واحدة بواحدة . بقي شوط أخير وعليه تتوقف أمور كثيرة .
( يفرك جابر القرش ، ثم يرميه من جديد لكن " منصور " يسرع ، فيلتقطه غاضبا ، ويضعه في جيبه . ) .
منصور : وهو ( ينسحب ) لعنة الله عليك .. لا حد لاستهتارك .
جابر : بقي شوط واحد . فلم تفسد لعبتنا ( يبتعد منصور ولا يجيبه ، فيلتفت جابر صوب الزبائن متأهبا بدوره للانسحاب ) لو أعرف فقط ما الذي يعنيه في خلاف ينشب بين الخليفة والوزير ( يهز كتفيه ويمضى) .
زبون : ( لجاره ) ما قولك و الله ولد ابن زمانه .
زبون 2 : لا شيء يشغل باله .
زبون 1 : لا خليفة ولا وزير .
الخادم : ( وهو يدور بالموقد ) نارة .
زبون 2 : تعب قلب ووجع رأس بلا فائدة .
زبون 3 : تعال هنا .
( الخادم يقترب من الزبون الذي يناديه ، حاملا الملقط وموقد النار).