الزهيمر
فتح عينيه بتثاقل... نظر إلى أرجاء غرفته ثم ألقى نظرة سريعة على
الساعة الموضوعة بجانبه...
ألتفت إلى كرسيه المدولب... تنهد بحرقة... حرك
جسده المقعد بتثاقل و مد يده ليتلمس ذلك الكرسي...
فقد الكثير منذ أن ماتت زوجته ثم داهمه المرض و أقعده ليصبح بعدها
مشلولاً...
أصبح لا يتحرك إلا على هذا
الكرسي الجامد و الذي لم يبقى له سواه و بعض الذكريات و
يوم الجمعة أو بالأصح... عصر يوم الجمعة...
حين كبر
أبناءه و بناته حلق كل منهم إلى عش جديد... و إلى عالمٍ آخر...
اتفقوا جميعاً أن يخصصوا يوم الجمعة لزيارته ليكون هذا اليوم هو
يوم الفرح الوحيد في حياته و من الجمعة ينتظر التي تليها... هذا اليوم هو فسحة الأمل الوحيدة إلا فالباقي سواء, همٌ و أسى و مرارةٌ بطعم الموت...
لم يكن يتألم من مرضه الذي أقعده بل كل ما كان يعذبه هو
مرضٌ جديد بدأ يدب في أوصاله و يزحف في بقايا روحه... مرضٌ هو و الموت سيان...
يذكر كلمات الطبيب حين قال:
يا عم!!! أنت رجل كبير في السن.. و هذا شئ طبيعي... ستنسى بعض الذكريات...
إنه يا عم مرض"
الزهيمر"...
إلا الذكريات... ذكرياته مع أبنائه هي الزاد الذي يتقوى به على بعدهم... الآن بدأ ينسى بعض الأرقام التي كان يحفظها عن ظهر قلب... لكن ذكرياته مازالت معه...
ينسى بعضها أحياناً لكنه يعود و يتذكرها...
عاد ينظر إلى ساعته من جديد...
أبناءه على وصول...
اليوم هو يوم سعادته... نظرته إلى وجوههم تعني له الدنيا و ما عليها, فلا دنيا له دون وجوههم...
حرك جسده النحيل و ألقى به على كرسي المقعدين... هم بالخروج من الغرفة... توقف برهة نظر إلى
صورةٍ تجمعه مع أبنائه... حمل الصورة بين ذراعيه... أحتضنها ...
قبَّلها... نظر إليها و أمعن النظر... تداعت ذكرياته تباعاً...تسلسلت أحداث و مواقف قديمة إلى ذاكرته...
مع كل أبن له قصص و ذكريات
دافئة...
توقف عند صورة أحدهم... ركز بصره على ذلك الوجه...
بدا له الوجه غريباً... شحذ عقله... بالكاد تذكر و بصعوبة...
آه!!! إنه أحمد... سرى شعور بالخوف في قلبه...
هذه الوجوه هي ما تبقى و هذه الوجوه هي
الشيء الوحيد الذي يشعره بوجوده و بطعم الفرح...
مسكين من كان فرحه
يوماً واحداً...
مسكين من جعل الله نافذته الوحيدة على الحياة في
بقايا وجوه يألفها فقط...
أيقظه من شروده
قرعٌ على الباب... سرت قشعريرة جميلة في جسده و بدأ يكسوه
الفرح... بدأت تعود الحياة إلى قلبه المتعب...
أتجه إلى الباب
بفرحة يتيمة طالما تمناها...أقترب من الباب يسمع أصوات أبنائه تقطر شوقاً إليه...
تسبقه
روحه لترتمي على وجوههم...
أسرع يحدوه الشوق رغم
الثقل الذي يشعر به في رأسه...
ما أن فتح الباب حتى دخلوا تباعاً و
احتضنوه في سعادة واضحة... يشعر أن الثقل على رأسه
زاد و يكاد يفتك به...
امتزجت أصواتهم بقبلاته و
الضحكات تتعالى...
عانقه أبناءه واحد تلو الآخر...
وقفوا أمامه...
نظر إليهم بفرحة كما هو مبتورة...
تفرس في
وجوههم برقة و وداعة... شعر بثقل الدنيا على رأسه... تماوجت
الصور و تباعدت عن حدوده...
نظر إليه ابناءه
باستغراب, فلم يكن الاستقبال كما أعتادوه...
أغمض عينيه...
عاد ينظر إليهم
بإمعان...
اسند رأسه بكفه
هز رأسه ببطء...
تكسرت في وجهه
آخر صورة!!!
سالت على خده
دمعة لا يذكر سببها
نظر إلى وجوههم الواحد تلو الآخر قبل أن
يسأل بحرقة!!!
عفواً!!!!!!
من أنتم؟!!