هـ جديد ــدوء
|  | |  | | 
هكذا اعتدت أن أحمل الدب من أمامها كل ليلة, لأتأكد من أنها ستنام..
اعتدت أن ألقي الدب على أحد الآرائك في الصالة,
ثم أنام ويمر اليوم, وفي المساء أحمل الدب مجددًا من أمام "رنا"
في غرفتها.. ما دامت ابنتي تخشاه إلى هذا الحد,
فلماذا كانت تحمله إلى غرفتها كل ليلة إذن؟!.. سؤال بديهي
لكنني لم أفكر فيه قط,
حتى جاء اليوم الذي دفعني للبدء في التفكير في هذا الموضوع..
كنت أمرّ بطقوس اليوم المعتادة, وكنت قد بلغت ذروة إرهاقي مع حلول الليل
, حتى أنني قررت أنه لا داعي لتسجيل مصاريف اليوم,
لكني قررت أن أمرّ على غرفة "رنا" للاطمئنان عليها قبل النوم,
وحين دخلت عليها كانت هناك مفاجأة عجيبة بانتظاري..
في تلك الليلة بدأت القلق.. في تلك الليلة بدأت الخوف..
كانت "رنا" قد فصلت رأس دميتها عن جسدها الذي ألقته في ركن الغرفة,
بينما وضعت الرأس المقيت في حجرها, تنظر إلى العينين البرتقاليتين بوجل,
وتهمس محدثة رأس الدب بخوف..
أي طفلة التي تلعب بهذه الصورة؟!!
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أنتزع الرأس من يدها, لأصرخ فيها بعنف
لم أعتده في نفسي, بينما ظلت هي صامتة على الفراش,
تسيل دموعها قطرات على وجنتيها, وسهام من نار في قلبي.. لماذا يا "رنا"؟! لماذا؟!!
بالطبع أصابتني دموعها بالهستيريا,
وبعد كثير من الصخب كنت أحتويها في صدري ونبكي معاً..
- لماذا قطعت الرأس يا "رنا"؟!
- هو أخبرني.. قال إن الجسد غير مهم..
- من هو؟!!
- الذي يعيش في العينين البرتقاليتين..
*****
الأطفال يصابون بالاضطرابات حين يفقدون أحد والديهم..
قرأت هذا من قبل وأذكره الآن..
"رنا" تفتقد والدها بشدة, وهذا هو كل شيء..
لا داعي للإصابة بالجنون.. لا داعي للانتحار!
"رنا" مضطربة نفسيًا.. لكن.. ما الذي عليّ أن أفعله أكثر من هذا؟!!
بالطبع لم أكن قد وصلت بعد إلى المرحلة التي تمكنني من ربط كل ما يحدث بالدمية..
أنت تنظر الآن إلى الموضوع من أعلى مما يمكنك من رؤية الصورة كاملة,
أمّا أنا فكنت تفصيلة صغيرة في الصورة الكاملة,
لا يمكنها سوى أن تنظر إلى التفاصيل الصغيرة من حولها..
ذهبت إلى طبيبة نفسية بحثًا عن المشورة..
وإلى دجالة معروفة بحثًا عن الأمل.. ولم أترك بابًا إلا وتوسلت أمامه
علّني أفهم ما الذي أصاب ابنتي بالضبط..
إنها لا تتحدث إطلاقًا.. لا تنام أبدًا..
لا تفعل شيئًا سوى التحديق المستمر في عيني رأس الدب البرتقاليتين،
كأنما تجد في هذا الشيء راحتها الوحيدة.. حاولت التخلص من رأس الدمية,
لكن دموعها الصامتة كانت تجعلني أتراجع كل مرة..
إنها طفلة بائسة تتعذب, فلماذا أحرمها من الشيء الوحيد الذي تريده؟!
بالطبع لم آخذ كلامها بخصوص الشيء الذي يعيش في العينين البرتقاليتين
بجدية, بل اكتفيت بالاعتقاد أن ابنتي أصيبت بالخبال لشدة الحزن,
وأنه عليّ أن أساعدها بأي وسيلة..
كنت أعرف أن تعلّق ابنتي بهذه الدمية غير طبيعي...
كنت أعرف هذا لكني تجاهلته... لهذا أنا أستحق ما حدث بعد ذلك...
أستحقه تمامًا...
*****
في أحد الأيام وأثناء تجولي في السوق لأشتري ضروريات المنزل,
شعرت بذلك الهاجس الخفي الذي تشعر به أي أم,
والذي يخبرها أن طفلها في خطر.. هذا هو الهاجس الذي يوقظنا
في منتصف الليل لنجد طفلنا الرضيع يكاد يسقط من على فراشه..
لا معجزات في الأمر.. لكنه شعور داخلي عميق..
كنت قد تركت "رنا" في المنزل –فهي لم تعد تذهب إلى مدرستها منذ زمن–
لذا أخذت في طريق عودتي إلى المنزل,
أبني تصورات سوداوية عمّا يمكن أن يكون قد حدث..
لقد أشعلت النار في الشقة، وهي الآن تختنق حتى الموت...
لقد دسّت إصبعها في قابس الكهرباء... لقد ألقت بنفسها من الشرفة...
شيء ما حدث! لكني حين وصلت إلى المنزل, وجدت ما هو أسوأ من هذا كله...
كانت ابنتي "رنا" تجلس على أرض الصالة ,
ورأس الدب ذو العينين البرتقاليتين أمامها يحدق فيها بثبات,
وهي كانت تبكي بهستيريا مخيفة كأنها رأت مذبحة مخيفة منذ لحظات.. 
ألقيت بكل ما في يدي, لأرفعها من على الأرض، ولأدفنها في حضني وأنا أردد بجزع:
- "رنا" حبيبتي.. ما الذي حدث؟!
- بابااااااااااااااااااا
- أعرف يا حبيبتي.. أعرف.. إنك تفتقدينه, لكن.. لا بأس سأتصل به،
وأطلب منه أن يعود، و.................
- بابا.. مااااااااااااااااااااااات..........- !!!!!!!!!!!
- أريد باباااااااااا
أصابتني كلماتها بالجنون, فلم أشعر بنفسي إلا وأن أرجها بعنف, صارخة:
- من قال هذا؟!!
ببطء أشارت بيدها إلى رأس الدب ذي العينين البرتقاليتين..
في هذه اللحظة شعرت.. في هذه اللحظة فهمت...
في هذه اللحظة أدركت الحقيقة كاملة بلا رتوش..
وهنا ارتكبت أكبر خطأ في حياتي كلها..!
تركت طفلتي وأسرعت أعدو إلى السنترال المجاور للمنزل,
لأحاول الاتصال بزوجي.. يجب أن أسمع صوته الآن,
ويجب أن يعود إلى المنزل اليوم..!!
وصلت إلى السنترال، وطلبت الرقم بأصابع مرتجفة..
ومع كل مرة كان يجيبني فيها الرنين المستمر كنت أفقد أعصابي أكثر وأكثر.. أ
ين أنت أيها الوغد؟!!
وارتفع ذلك الصوت المقيت في أعماقي
يردد: لقد مات.. لقد مات.. لقد مات.. لقد مات.. لقد مات.. لقد مات.. لقد مات.. لقد مات..
وبعد محاولات استمرت لساعة كاملة كاملة,
أصبح عندي يقين أنني تحولت إلى أرملة.. أرملة مسئولة عن طفلة مخبولة..
"رنا".. لقد تركتها بمفردها.. يا إلهي...!!
وهكذا عدت أسرع الخطى إلى المنزل وأعصابي تحترق في رأسي,
وحين وصلت إلى المنزل كنت أتمنى شيئًا واحدًا..
أن أعثر على ابنتي حية!!
والواقع أنني عثرت عليها حية..
الواقع أنني أذكر هذا المشهد بالذات جيداً،
فأنا أراه في كل لحظة من حياتي وحتى الآن..
الواقع أن أحدًا لن يصدق ما رأيته أنا في تلك اللحظة...
كانت ابنتي تقف في صالة المنزل، وعلى وجهها تعبير جاف مخيف,
بينما صوتها الخافت ينادي:
- أمي.. أمي..
لم تكن شفتاها تتحركان, لكني كنت أسمع صوتها واضحًا,
وحين انتبهت إلى مصدر الصوت الحقيقي, تجمدت الدماء في عروقي..
ومأخوذة تجاوزت ابنتي التي تحولت إلى تمثال صامت لم ينطق إلى يومنا هذا,
وحملت رأس دمية الدب ذي العينين البرتقاليتين..
الرأس الذي ارتفع منه صوت ابنتي الخافت يقول:
- أمي.. أنا هنا..
- !!!!!! 
تمت
للامانة منقووولة
اطيب تحيااااتي
بنت مصر | |  | |  | |