الموضوع
:
-*¨®¨*--|الدمية|--*¨®¨*-
عرض مشاركة واحدة
26-10-2007, 21:20
#
1
(
permalink
)
بنت مصر
هـ جديد ــدوء
الملف الشخصي:
تقييم العضو:
-*¨®¨*--|الدمية|--*¨®¨*-
السلام عليكم
"كنت أعرف أن تعلّق ابنتي بهذه الدمية غير طبيعي...
كنت أعرف هذا لكني تجاهلته.. لهذا أنا أستحق"..
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
من الصعب دائمًا تحديد النقطة التي تبدأ من عندها الأحداث..
حين تقول: "بدأ كل شيء منذ.." فأنت لا تحدد البداية بدقة،
إنما تحدد الوقت الذي انتبهت أنت فيه لما يحدث طيلة الوقت من حولك،
وحتى هذا يخضع لقوة ذاكرتك،
ولا يوجد مثال أفضل مما قاله الكاتب العظيم "ماركيز"،
حين وصف كتب التاريخ
قائلا: "التاريخ ليس ما حدث حقًا.. بل ما نتذكره وكيف نحكيه"..
من الصعب إذن أن أحدد لكم متى بدأت ابنتي في التغير،
لكنني سأقول إن كل شيء بدأ حين قرر زوجي السفر فجأة
إلى الخليج بحثًا عن المال الذي لم يجده هنا..
أي زوجة تعرف تلك اللحظة التي يتحول فيها الزوج من الحبيب ذي الصدر الدافئ،
إلى مصدر تمويل المنزل، بل وتطالبه به إن لم يفعله هو بمفرده... أنا أحبك نعم..
لكن هناك فواتير الماء والطعام والكهرباء والتليفون ومدرسة الطفل
والملابس والمناسبات، ولن يغنيني دفء صدرك عن هذا كله..
لهذا سافر زوجي لأنه أدرك أن دوره في المنزل تقلص إلى ماكينة صرف نقود،
عليها ألا تضن علينا بالأوراق المالية المحببة التي تشتري السعادة الحقة!
من الصعب دائمًا تحديد بداية الأحداث،
لكنني سأعود بذاكرتي إلى اليوم الذي اصطحبت فيه طفلتي "رنا" إلى السوق
لتشتري بعض الألعاب،
وفي هذا حل أكيد لبكائها الدائم على اختفاء أبيها من المنزل..
هذا هو أجمل شيء في الأطفال.. قدرتهم على النسيان..
"رنا" تبلغ من العمر تسع سنوات، وهو العمر الذي تعرفه أي أم وتمقته..
إنه الوقت الذي يتعلم فيه الطفل كيف يكون مزعجًا ومؤذيًا في الآن ذاته،
وهو العمر الذي تعتاد فيه الأم ضرب طفلها في محاولة يائسة لتهذيبه،
تستمر حتى يكبر هذا الطفل ويترك المنزل بلا رجعة،
لكنني في هذا اليوم كنت أجرّ معي طفلة بائسة،
لا تفهم سر اختفاء والدها من المنزل رغم تعلقه الشديد بها..
من المستحيل على من في عمرها أن يفهم أهمية المال،
وهذه نقطة أخرى في صالح الأطفال..
السخيف في الأمر أن حزن ابنتي كان صادقًا وقويًا
إلى الدرجة التي جعلت كل اللعب والهدايا في نظرها،
أشياء حمقاء سخيفة لا يمكن أن تخفف عنها، والأسوأ من هذا أنني
-ومع بؤسها المستمر- بدأت أدرك حقيقة أنني أصبحت امرأة وحيدة..
امرأة بلا رجل ومسئولة عن طفلة!
صحيح أنني من شجّع فكرة السفر، لكن هذا لا يمنع من أنني أفتقد وجوده..
أفتقد صوته الرجولي وهالة الأمان التي يحيط بها المنزل.. كل هذا لم يعد موجودًا لأننا نحتاج للمال اللعين!!
وهكذا بدأ الأمر يتحول من أم تحاول الترفيه عن طفلتها إلى ثنائي بائس
يجوب طرقات المدينة بلا هدف، حتى إنني قررت العودة إلى المنزل
حيث يمكنني ممارسة حقي في البكاء بلا حرج،
حين توقفت ابنتي فجأة أمام متجر للألعاب، وقد تعلقت عيناها بدمية محددة..
دمية دب مكتنز، في حجمها تقريبًا، ويحمل وجهه ابتسامة واسعة مرحبة،
بينما تحدق عيناها البرتقاليتان بإصرار في وجه الجميع..
دمية عادية لا تحمل أي ابتكار، لكنها جذبت اهتمام "رنا" فانحنيت عليها لأقول بحنان:
هل تريدينها؟!
هزّت رأسها الضئيل أن "نعم" فلم تمضِ عشر دقائق
حتى كانت تحملها بين ذراعيها لنتجه بها إلى المنزل،
وقد علت وجهها الملائكي –أخيرًا- ابتسامة رضا وحبور..
ألم أقل لكم إنها طفلة، وأنها ستنسى؟!.. لكن..
من يأتي لي بدب بني مكتنز يساعدني على النسيان؟!!
****************************** **********************
لم ألاحظ ما يحدث في بدايته لأنني كنت مشغولة..
إنني الآن ألعب دور الأم والأب، وفي هذا مشقة أي مشقة..
لم أعرف حقًا كم العبء الذي كان يزيحه..
زوجي عن صدري إلا في هذه الفترة، ورغم كوني ربة منزل لا تعمل
فإنني كنت أعاني الأمرين كل يوم من اللحظة التي تترك فيها "رنا" فراشها
وحتى تعود إليه..في نهاية اليوم أجلس وحدي على الفراش
أسجل وبدقة مصاريف اليوم وما تبقى من نقود وما يجب عليّ ادخاره
-زوجي لن يسافر إلى الأبد- وما يمكن اقتطاعه لحسابي الشخصي،
وبعد أن أنتهي من هذا، أظل بقية الليل أرمق الفراغ الكائن
جواري على الفراش، والذي كان يحتله جسد زوجي منذ أسابيع قليلة..
مهما حاولت المرأة فستظل أهمية وجود الرجل في حياتها حقيقة لا فرار منها!
كان كل شيء يسير على ما يرام،
لكنني لم أعرف أن ابنتي لم تكن تنام هي الأخرى على فراشها..
ما عرفته بعد ذلك أنها كانت تقضي ليلتها كلها تتحدث..
تتحدث بصوت خافت مرتجف إلى دميتها.. الدب المكتنز ذي العينين البرتقاليتين..
متى عرفت هذه الحقيقة الجديدة؟!
حسنًا إنني أتذكر هذا اليوم جيدًا...
***********
كان يوم إثنين،
وكنت قد استيقظت منذ السادسة صباحًا
كعادتي لأعد طعام الإفطار لـ"رنا " قبل أن أوقظها لتذهب إلى المدرسة،
لكنني حين ذهبت إليها في غرفتها وجدتها جالسة على فراشها
وقد بدا جليًا من عينيها المحتقنتين والإرهاق البادي على وجهها الملائكي،
أنها لم تنم إطلاقًا....................سألتها بقلق:
- رنا.. هل أنت مريضة؟!
هزّت رأسها أن "لا"، فسألت:
- ألم تنامي جيدًا ليلة أمس؟!
هزّت رأسها أن "لا" مرة أخرى، فسألت:
- لماذا؟!
هنا ظلت "رنا" صامتة قليلاً كأنما تستجمع طاقتها لتجيب،
ثم مدت يدها ببطء لتشير إلى دبها المكتنز دون أن تنطق بحرف،
ففهمت أنا الموقف -كنت حمقاء ولم أفهم شيئا لكني
لم أعرف هذا في حينه- وهتفت فيها:
- أخذت تلعبين طيلة الليل ولم تنامي.. أليس كذلك؟!
لم تجبني "رنا" هذه المرة، وبدا وكأنما قد استنفدت طاقتها كلها،
فقررت أن أتركها هذا اليوم دون أن تذهب إلى المدرسة، وقلت بغيظ:
- إذن ارتاحي اليوم.. لا مدرسة..
لكنني قبل أن أخرج أخذت الدب المكتنز معي وأنا أردف:
- ولا لعب كذلك.. هيا.. نامي..
وهكذا أغلقت عليها الباب وعدت إلى غرفتي لأظفر بالنوم،
وقد بدا أنني قد أحظى بساعات نوم إضافية هذا اليوم،
دون أن يؤدي هذا إلى كارثة..
ألقيت بالدب على إحدى الأرائك في ردهة المنزل،
ثم ذهبت إلى غرفتي لأنام،
على أن أستيقظ بعد عدة ساعات لأعد طعام الغداء ولأواصل طقوس اليوم المعتادة..
كان يومًا عاديًا لم يستجد فيه شيء.. "رنا" استيقظت عصرًا
وقد بدا عليها الانتعاش، وقضت يومها في مذاكرة دروسها
تحت إشرافي وفي نهاية اليوم سمحت لها بالجلوس أمام التلفاز قليلاً
حتى أتت الساعة التاسعة مساءً فحملتها حملاً إلى فراشها، وأنا أقول:
- نامي جيدًا.. ستذهبين إلى المدرسة غدّا..
وبعد أن أوت إلى فراشها، عدت أنا إلى غرفتي لأواصل تسجيل مصاريف
اليوم الجديد، وهي عادة غير مفيدة إطلاقًا في حالة الادخار،
لكنها تقتل الوقت قتلاً وهذا ما أحتاج إليه حقًا..
أتذكر يومها أنني -وحين تسلل النعاس إلى جفوني-
قررت أن أمرّ على غرفة "رنا" أولاً،
لأتأكد من أنها "تأكل أرزًا مع الملائكة كما يقولون"
لكني لم أكد أصل إلى باب غرفتها حتى سمعتها تتحدث..
تتحدث بصوت خافت مرتجف،
لم أميز معه ما تقوله بالضبط، لذا دخلت على الفور لأرى ما الذي يحدث بالضبط،
فوجدتها تجلس على الفراش، وقد وضعت دبها المكتنز -
الذي التمعت عيناه البرتقاليتان على ضوء القمر-
أمامها تتحدث إليه بخوف شديد استحال إلى فزع حين رأتني..
كنت حمقاء أيها السادة، لذا فلم أفعل سوى أنني صرخت فيها
وجذبت الدب من أمامها وأنا أهتف بصرامة:
- نامي فورًا..
وعلى عكس ما تخيلته، لم تقاوم، بل بدا الأمر وكأنها كانت تنتظر من يأخذ الدب من أمامها،
فحملته معي خارجة من الغرفة لألقيه في الصالة مجددًا..
لم أكن أعرف.. لم أكن أفهم.. ولهذا استمر الأمر أكثر من هذا..
******************************
******************************
**********
يتبع
بنت مصر
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى بنت مصر
البحث عن المشاركات التي كتبها بنت مصر